الصفحة 9 من 32

منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى رغم اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم يوحدهم الاعتصام بحبل الله والانضواء تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ولقد ذكر الله سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بهذه النعمة العظيمة بعد أن كانوا قبل الإسلام متقاتلين متحاربين لأقل الأسباب وأتفهها فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } [1] .

أمرهم الله سبحانه أن يذكروا نعمته عليهم إذ كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضًا وينهب بعضهم بعضًا فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخوانًا متحابين [2] .

"فالأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده وهو هنا يذكرهم بهذه النعمة، يذكر كيف كانوا في الجاهلية أعداء، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد وهما الحيان الغربيان في يثرب، يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا، ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه فألَّف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا" [3] .

ويبين الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور أثناء تفسيره لهذه الآية دور الاعتصام بالله والتمسك بدين الله في وحدة المسلمين الأوائل وبالتالي في وحدة أبناء أمة الإسلام في كل زمان وإلى قيام الساعة فيقول: يصور الله سبحانه حال المسلمين قبل إسلامهم ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة التي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعًا بالإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى الذي اختارهم لهذا الدين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل، كما قال سبحانه وتعالى حكاية عن هود: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [4] ، وقال عن شعيب: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [5] ، وهذا التذكير خاص بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية لأن الآية خطاب

(1) سورة آل عمران: الآية 103.

(2) انظر: فتح القدير، للشوكاني، ج 1، ص 367.

(3) في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب، ج 1، ص 442.

(4) سورة الأعراف: الآية 69.

(5) سورة الأعراف: الآية 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت