للصحابة، ولكن المنة به مستمرة على سائر المسلمين، ذلك لأن كل جيل يقدر أن لو لم يسبق إسلام الجيل الذي قبله لكانوا هم أعداء، والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة ومنها كان يوم بعاث، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم بأفانين الدعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتى ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فكان الاعتصام بدين الله والالتفاف حول نبيهم سببًا في وحدتهم وأخوتهم [1] .
ومن الآيات الدالة على عظيم نعمة الله في تأليف قلوب المسلمين ووحدتهم بسبب اعتصامهم بدينهم قوله تعالى: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [2] .
أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك ومؤازرتك بعد أن كانت بين الأنصار حروب طاحنة في الجاهلية فقطع الله ذلك بينهم بنور الإيمان [3] .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الأنصار في شأن غنائم حنين فقال لهم:"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي" [4] .
يقول الأستاذ سيد قطب في معنى الآية:"هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجعل منهم قوة موحدة بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداوتهم جاهرة، وبأسهم بينهم شديدًا، فقد كان بينهم في الجاهلية من الثارات والدماء والمنازعات ما يستحيل معه الالتئام فضلًا عن هذا الإخاء الذي لم تعرف له الأرض نظيرًا ولا شبيهًا."
لقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة والتي من صورها قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}
(1) انظر: التحرير والتنوير، المجلد الثالث، ج 4، ص 33، 34.
(2) سورة الأنفال: الآيتان 62، 63.
(3) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج 2، ص 323.
(4) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم 4330.