الصفحة 20 من 32

المبحث الثالث

استقراء مستقبل الأمة في ظل الواقع والمبشرات

إن لشمس الحضارات دورات فلكية تغرب في بلاد لتشرق في بلاد، وإن حضارة الإسلام قد أوشكت على الشروق في العالم كله بأبهى حللها وأروع صورها، ولا شك أن الإسلام مرشح لقيادة البشرية في المرحلة المقبلة لإنقاذها من التردي والسقوط، وتخليصها من متاهات الحضارة المادية المعاصرة، والتي إن استمرت ستنتهي بتدمير الإنسان تدميرًا كاملًا، والقضاء على ما تبقى من قيمه ومقدراته، فالمارد الإسلامي يتقدم اليوم إلى العالم بأسره حاملًا معه الشريعة الربانية التي ستنقذ البشرية مما هي فيه وتقودها إلى السعادة والطمأنينة، وتنقلها من واقع مأساوي متردي إلى واقع جديد طالما انتظرته الأجيال الماضية وحلمت به الأجيال الحاضرة.

والمؤمن الصادق في إيمانه لا بد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بأن المستقبل لهذا الدين، وأن أمة الإسلام مرشحة لقيادة العالم وريادة البشرية، وهذا التفاؤل إنما هو ثقة بوعد الله وإيمان بمبشرات قرآنية ونبوية معززة بمجموعة من المبشرات الواقعية.

أولًا: المبشرات القرآنية:

وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين الصادقين بالاستخلاف والنصر والغلبة والتمكين في الأرض، وقد أنجز الله سبحانه وتعالى هذا الوعد لرسوله وللمؤمنين وهو وعد ماض إلى يوم القيامة وسنة من سنن الله لا تتبدل ولا تتحول، وما على المسلمين الصادقين إلا أن ينهضوا لحمل راية الدين والمضي بها اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتفاءً بخطواته المباركة، فمن المبشرات القرآنية التي تبشر بالاستخلاف والتمكين.

1 -قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [1] .

فمن الحقائق الكبرى التي يجب أن تكون مستقرة في قلب كل مؤمن هي وعد الله لعباده بالاستخلاف في الأرض، ووعده لدينه بالظهور والغلبة في الأرض، ومن ثمَّ التمكين في الأرض كما يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة

(1) سورة النور: آية 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت