الصفحة 21 من 32

عليهم، وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا، وقد أنجز الله وعده لعباده المؤمنين، فلم يمت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها، وأخذ الجزية من أهل الكتاب، ومن مجوس هجر، ثمَّ لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فجيَّش الجيوش، ودكَّ الحصون، وفتح الله على يديه جزءًا من بلاد فارس وبصرى ودمشق من بلاد الشام، وألهم الله الصديق رضي الله عنه أن يستخلف عمر الفاروق من بعده، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا، وتم في عهده فتح البلاد الشامية بكاملها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وهزم قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام، ثم لما كان عهد عثمان رضي الله عنه امتدت الممالك الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد المغرب والأندلس وقبرص وبلاد القيروان ووصلت الفتوحات شرقًا، إلى أقصى بلاد الصين، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك ببركة جمعه للأمة على حفظ القرآن الكريم، وبقيت الأمة الإسلامية في طليعة الأمم والشعوب تحتل مكان القيادة والريادة ما بقيت متمسكة بكتاب ربها وسنة نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وبقي المسلمون أعزاء ما بقوا يعتزون بدينهم، ويلتفون حول إسلامهم، فلما هان على المسلمين دينهم وبحثوا عن العزة في غيره أذلهم الله ووصلوا إلى هذه الحالة من الذلة والمهانة والضعف والهوان، ومع ذلك فإن سنن الله ماضية إلى يوم القيامة لا تتحول ولا تتبدل، وما زال وعد الله باقيًا لهذه الأمة بالنصر والتمكين، إن عادت الأمة إلى رشدها، وتمسكت بكتاب ربها، وسنة نبيها، عندئذٍ ستكون لهم الغلبة، وسيتحقق لهم النصر والتمكين والخلافة في الأرض [1] .

ويتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن حقيقة الإيمان الذي يتحقق به وعد الله وحقيقة الاستخلاف والتمكين في الأرض اللذين وعد الله بهما عباده في هذه الآية فيقول:"إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة، فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه، ومع الناس جميعًا، يتوجه بهذا كله إلى الله ليكون هذا الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به ونهى عنه، ويدخل في ذلك كله إعداد العدة والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض وهي أمانة الاستخلاف والتي يبين الأستاذ سيد قطب حقيقتها فيقول:"إنها

(1) تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 300 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت