ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم، إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه.
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري لا على الانحدار بالفرد والجماعة، فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض، إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، وتمكن الدين بعد الاستخلاف يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها، فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض، ويأمر بالإصلاح والعدل ويأمر بعمارة الأرض والاستعلاء على شهواتها، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.
فإذا استقام المسلمون على النهج فلا عليهم من قوة الكافرين فما هم بمعجزين في الأرض وقوتهم المادية الظاهرة لن تخضع المؤمنين الذين يتسلحون بسلاح الإيمان، فالقلوب المؤمنة التي تجاهد الأعداء تصنع الخوارق والأعاجيب بعون من الله ومدد منه، إنه ما من مرة سارت هذه الأمة على نهج الله إلا تحقق لها وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن، وما من مرة خالفت هذا النهج الإلهي إلا ذلت وتخلفت في ذيل القافلة، وطردت من الهيمنة على البشرية واستبدَّ بها الخوف وتخطفها الأعداء ألا وإن وعد الله قائم، ألا وإن شرط الله معروف فمن شاء الوعد فليقم بالشرط [1] .
2 -ومن المبشرات القرآنية التي تبين أن الغلبة لهذا الدين وأن جند الله هم المنصورون والغالبون قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [2] .
فهذه الآية الكريمة تسلية ووعد من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنين من بعده بأن الله سينصرهم على من عاداهم، وهي بشارة أيضًا بالغلبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تسليته وللمؤمنين، فإن
المؤمنين هم جند الله وهم أنصاره الذين نصروا دينه، وقوله: (لهم الغالبون) يشمل علوهم
على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة [3] .
(1) انظر: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2528 - 2530.
(2) سورة الصافات: آية 171.
(3) انظر: التحرير والتنوير، لسماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، م 11، ج 23، ص 194، 195.