الصفحة 15 من 25

وتشير الدراسات إلى أن أهم مسببات الأمراض في العالم الثالث هي التلوث الفيروسي والطفيليات والبكتيريا، وأن أسباب التوعك وضعف الصحة ترجع إلى المياه الملوثة وسوء التغذية. وأن الدول النامية سعت إلى سد النقص من الطعام عن طريق استخدام مواد كيماوية مركبة مثل الأسمدة الصناعية ومبيدات الآفات الزراعية، وذلك للمحافظة على معدلات الإنتاج المتزايد، وقتل الأعشاب الضارة والفطرية ... ، وكان من نتيجة ذلك توفير محاصيل زراعية كثيرة، لكنها قاصرة وضارة في الوقت نفسه، لما لها من آثار سلبية على البيئة وعلى صحة الإنسان على المدى الطويل، بسبب انتقال المواد الكيماوية من الأسمدة والمبيدات إلى المزروعات أولًا، ثم إلى صحة الإنسان المستهلك لتلك المزروعات تاليًا.

ثالثًا: دور تلوث البيئة في نشر نطاق الفقر:

من المؤسف أن يقرأ الباحث خلال إعداده لبحثه هذا المصطلحات الآتية [1] :أفقر جارك عوض أن تفقر نفسك، وهم يعنون بذلك أن الدول الصناعية ستنتج في جميع الأحوال كي تحافظ على غناها ولو دفعها ذلك إلى تلويث البيئة أو إلى نقل الصناعات الملوثة من أراضيها إلى أراضي الدول النامية، وتسعى إلى تحقيق غايتها هذه من خلال رفعها لشعار العولمة.

وهناك مصطلح آخر وهو: جنة التلوث، وهو يطلق على البلاد الفقيرة التي تعاني كثيرًا من التلوث، وأيضًا هناك مصطلح (سباق نحو الأسفل) ، ويطلق على الدول التي تتسارع فيما بينها لتلويث البيئة.

وتعاني دول العالم الثالث من الثالوث المهلك: الفقر والمرض والجهل، وهذه عوض أن يكون هناك تعاون فيما بينها لمحاولة الخروج من هذه الظواهر الثلاث، فإن هناك تصادمًا بينها، فالفقير بسبب جهله لا يعرف أفضل السبل المؤدية إلى حياة صحية سليمة قوامها غذاء سليم ودواء ملائم.

ولقد تبين خلال الحديث عن آثار التلوث على البيئة والإنسان الآتي: زيادة معدلات التصحر وضعف إنتاجية الأراضي الزراعية واهتزاز الأمن الغذائي و وتردّي صحة الإنسان، وهذه تؤدي بدورها إلى إنقاص نصيب الفرد من الغذاء المنتج الذي يكون غالبًا ملوثًا والذي ينعكس سلبًا على صحة الإنسان، الأمر الذي يعني وقوع الشعوب العاجزة عن تأمين غذائها ومداواة مرضاها ضمن نطاق دائرة الفقر.

وعندما تحدث المشاكل والكوارث البيئية [2] ، مثل التلوث والفيضانات والجفاف فإن الفقراء هم أكثر الناس تعرضا لها وتأثرًا بها، لأنهم لا يملكون السبل والوسائل المالية

(1) كولير، بول، وآخر، العولمة والنمو والفقر، مرجع سابق، ص 179.

(2) وردم، باتر، العلاقة بين الفقر والبيئة، مقال منشور على موقع مرصد البيئة الأردني بتاريخ 23/ 01/2007.

والفقر هو نتيجة للتلوث، كذلك هو سبب للتلوث، ذلك لأنه من الثابت أن هناك علاقة ترابط قوية بين الفقر وتدهور البيئة، واستنزاف الموارد الطبيعية، في جميع البلدان النامية حتى إنه ليطلق عليها مسمى «متلازمة الفقر والبيئة» ، فالفقر الذي هو نتيجة لتدني الدخل الوطني في الدول الفقيرة يؤدي إلى عدم قدرة المواطنين على استيفاء احتياجاتهم المعيشية، كما يؤدي إلى قصور هذه الدول عن الإيفاء بالاحتياجات العامة لمواطنيها، من تعليم ورعاية صحية وإسكان وتوفير مياه الشرب النقية، ووسائل الصرف الصحي العامة والمرافق بشكل عام، ومن هنا يلجأ السكان إلى استنزاف مواردهم الطبيعية لتوفير دخل إضافي يساعدهم على استيفاء احتياجاتهم المعيشية، وتلجأ الحكومة إلى الاستدانة لتنفيذ مشاريع اقتصادية تدر دخلًا يرفع من مستوى الدخل الوطني، غير آخذة الاعتبارات البيئية في حسبانها عند تنفيذ هذه الأنشطة التنموية، فتتدهور البيئة تدهورًا سريعًا، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإضرار بالصحة العامة، ويقلل من إنتاجية العمل وبالتالي يخفض بدرجة أكبر من مستوى الدخل الوطني، فيزداد معدل الفقر، ويزداد الضغط على البيئة ومواردها، ويزداد التدهور، وهكذا يسير الفقر مع تلوث البيئة في حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها، وتزداد الأمور سوءًا بعد سوء. للتوسع: أنظر جريدة الجزيرة السعودية العدد 11198/ 26 ربيع أول 1424 هـ (الموقع الإلكتروني) .

والباحث أدرج"دور الفقر في نشر نطاق التلوث"في الهامش، لأنه يعتبره خارج موضوع البحث أو أنه يعتبر نفسه أنه تحدث عنه ضمن أساليب التلوث، لأن ما يقوم به الفقراء يدرج ضمن الأساليب المؤدية للتلوث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت