أعلم الله سبحانه وتعالى الملائكة بأنه سيخلق الإنسان على الأرض كي يقوم بعمارتها والمحافظة عليها، وذلك لأنه خلقها له، ووهبه إياها، واستخلفه عليها لعمارتها، لكن الملائكة اعترضت، لأن هذا الإنسان سيقوم بالإفساد في الأرض إن استجاب لنزواته ولهواه الشخصي في إدارة عملية الاستخلاف في الأرض، ولم يلتزم بالهدي الرباني، وهذا الأمر قصه الله سبحانه وتعالى علينا بقوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (سورة البقرة، الآية 30) .
وبعد أن استخلف الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان على هذه الأرض (البيئة) ، حذّره من إفسادها بقوله:
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة الأعراف، الآية 85) .
وأدرج كتاب البيئة المسلمون صور التلوث المختلفة ضمن آيات الفساد الواردة [1] في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتحدّثوا عن حكمها الشرعي. وفي هذا المجال يقول أحد الباحثين [2] : يحرّم الإسلام كل أسباب الفساد الحسي، ومنه تلويث البيئة، حماية لها، وصيانة لحق الإنسان من الضرر الذي يلحق عناصر البيئة التي يستمد منها هواءه الذي يتنفسه، وطعامه الذي يقتاته، وشرابه الذي تقوم عليه حياته
وعندما ينهى الله سبحانه وتعالى عن الإفساد في الأرض بقوله:"ولا تفسدوا"، ثم يأمر بعمارتها بقوله:
"هو أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ" (سورة هود، الآية 61) .وعندما يحث النبي صلى الله عليه وسلم على استمرار استثمار الأرض بقوله:"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ" (رواه أبو داود) ، وبقوله أيضًا:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاري) ، فإن القارئ البيئي ّ لهذه النصوص يلمس أنها دعت إلى حماية البيئة والمحافظة عليها من خلال إعمارها وعدم إلحاق الأذى بها أو تلويثها.
ثانيًا: أساليب حماية البيئة من التلوث:
(1) د. هندي، إحسان، قضايا البيئة من منظور إسلامي، دار ابن كثير، دمشق، سوريا، ط 1، 1421 هـ/2001 م، ص 120.
(2) د. مرسي، محمد مرسي محمد، الإسلام والبيئة، مرجع سابق، ص 161.