الصفحة 7 من 25

تختلف نظرة الاقتصاد الإسلامي عن نظرة الاقتصاد الوضعي في النظر إلى مشكلة الفقر، فبينما تعتبر في الاقتصاد الوضعي مشكلة ندرة الموارد وتزايد الحاجات، تعتبر في الاقتصاد الإسلامي مشكلة سوء توزيع الثروة والدخول بين فئات البشر على مستوى الكرة الأرضية بأسرها [1] ، وبعبارة أخرى فإن المشكلة من صنع الإنسان نفسه، وسوء تنظيمه، وهذا الأمر أكده التشريع الرباني في القرآن الكريم منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الأرض.

ولا يريد الباحث الاسترسال في هذا المجال حتى لا يخرج البحث عن نطاقه، فإنه تناول ذلك بالتفصيل في بحثه [2] الذي قدّمه إلى المؤتمر الذي تحدّث عن"مشكلة الفقر في العالم الإسلامي"، والذي عقد في رحاب الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا عام 2004 م، لكن (الباحث) يذكر أهم ما ورد فيه:

إن الاقتصاد الإسلامي درس مشكلة الفقر من بعدها الكوني وليس من بعدها الوطني كما يدرسها الاقتصاد الوضعي، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الاقتصاد الإسلامي يستمد أصوله من القرآن الكريم القائل: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (سورة الحجر، الآية 21) ، ففي قوله"وجعلنا لكم فيها معايش"أي جعلنا ما يؤمن أسباب معيشتكم ويكفيكم، وفي ذلك إشارة إلى وفرة الموارد الطبيعية.

كذلك قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (سورة فصّلت، الآية 10) .

ولقد كان لعلماء الاقتصاد الإسلامي قراءة اقتصادية لهذه الآية، حيث أكدوا أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الأرض بارك فيها؛ أي جعلها دائمة الخير لأهلها، كما أنه قدّر فيها أقواتها لمن سيعيش على ظهرها من جميع المخلوقات بما فيهم البشر، وذلك قبل أن يخلقهم سبحانه وتعالى. وبناءً عليه، فإن الأرض - البيئة الكونية - لا تضيق ولن تضيق عن استيعاب البشر، ولن تعجز عن تأمين أقواتهم وإشباع حاجاتهم مهما كثر عددهم وتقدم بهم الزمن. والمشكلة بعد ذلك لا تكمن في ندرة الموارد، فالموارد تتصف بالكفاية حسب رأي علماء الاقتصاد الإسلامي، إنما المشكلة تكمن في مدى قدرة العقل البشري على اكتشاف تلك

(1) د. الجمال، عبد المنعم، موسوعة الاقتصاد الإسلامي، دار الكتاب المصري، القاهرة، مصر، ط 2، 1406 هـ/ 1986 م، ص 36.

(2) أنظر د. الرفاعي، حسن محمد، البعد الاقتصادي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي وفق مبادئ الاقتصاد الإسلامي (أعمال مؤتمر"مشكلة الفقر في العالم الإسلامي: الأسباب والحلول) ج 1، مرجع سابق، من ص 147 حتى ص 157؛ حيث تناول هذه المسألة في هذه الصفحات."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت