الصفحة 22 من 43

وكذا فعلت الحكمة الفلسفيّة، أدخلت المنطق إلى طريقة التّفكير والنّظر، واستقرّ المنطق في كتب العقائد [انظر شرح المقاصد] ، واستقرّ بعد ذلك في أصول الفقه [انظر «المستضعف» للغزالي] ، وبعد أن تمّ لها هذا لم تجبن في عرض عقيدتها بعد أن صار لاسمها الاحترام والتّقدير، فانتهى الأمر أنّ العقيدة الفلسفيّة هي نفس العقيدة الإسلاميّة [انظر «تهافت التّهافت» لابن رشد] .

والآن جاءت الديمقراطيّة: المشايخ يطرحونها باعتبارها طريقة حكم، ووسيلة سياسة، ويفرّقون بينها وبين عقيدتها (العلمانيّة) ، ويقولون إنّ الدّيمقراطيّة هي لب الإسلام وجوهره، حتّى أنّ الشّيخ المعمّم يوسف قرضاوي لم يخجل من القول أنّ الإسلام يستوعب الديمقراطيّة بكلّ تجلياتها.

ولكن، هل هؤلاء في الحقيقة لا يعتقدون عقيدة الدّيمقراطيّة؟ الجواب يظهر من تصريحاتهم وبياناتهم وأنّهم صاروا يعتقدون العقيدة الإنسانيّة التي تعطي الإنسان استقلالية حياته في هذه الدّنيا عن الغيب والآخرة.

صار الإسلام إنسانيًّا أي لم يعد الإسلام الذي عرفه الصّحابة رضي الله عنهم، والذي جعل هذه الدّنيا محطّة للآخرة، وأنّ الإنسان عبد الله، بل صارت الدّنيا هي غاية المنى وعلى ضوء أحكامها ومصالحها يستنتج النّاس الأحكام والتّشريعات دون النّظر إلى المقصد الأخرويّ.

وكما حارب النّاس قديمًا من حارب الصّوفيّة، وكما حارب النّاس قديماّ من حارب المنطق وعلم الكلام فها هو التّاريخ يتجدّد على هذا النّسق مع الدّيمقراطيّة، إذ صار المسلم المتنوّر والمفكّر الذّكيّ الواعي والمستنير هو المفكّر الدّيمقراطي، وحتّى الذين يعرفون منشأ الأسلوب (الطّريقة) الدّيمقراطيّة، ويعرفون منبَتَها وعقيدتها فإنّهم يفرّقون بين العقيدة والطّريقة، وهذا عندهم منتهى الأصوليّة، أي أنّنا أمام نوعين من المسلمين: مسلم يؤمن بالدّيمقراطيّة وجميع تجلّياتها، ومسلم يؤمن بالطّريقة ويكفر بالعقيدة، لكنّا نقول كما قال سَلَفُنا: كلاهما كفر وردّة وحكمنا فيهم أنّهم زنادقة.

قال الشّافعيّ ومالك رحمهما الله: علماء الكلام زنادقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت