الصفحة 9 من 42

قال الكاساني: إذا قال له اعمل برأيك فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره. وعلل ذلك بقوله: لأنه فوض الرأي إليه وقد رأى أن يدفعه مضاربة، فكان له ذلك (انظر الكاساني 6/ 95) .

وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم جواز دفع المضارب مال المضاربة إلى غيره إلا بإذن رب المال، وعليه فيكون الربح بين رب المال والمضارب الثاني، ولا شيء للمضارب الأول.

وسبب الخلاف في المسألة أن الربح عند جمهور الفقهاء لا يستحق إلا بالمال أو العمل، والمضارب الأول لم يحصل منه مال ولا عمل؛ ومن ثم فلا يستحق شيئًا من الربح

المحقق (انظر الدسوقي 3/ 526، والنووي 5/ 132، وابن قدامة 5/ 161 - 162) .

بينما يستحق الربح عند الحنفية بالمال أو العمل أو الضمان (انظر المرغيناني 3/ 11)

والمضارب الأول ضامن للمال لدى تسليمه للمضارب الثاني، ومن ثم فإنه يستحق الربح على هذا الأساس؛ لأن المال لو تلف في يد المضارب الثاني كان ضمانه وتبعة تلفه على المضارب الأول.

يقول الكاساني من الحنفية:"إن الربح إنما يستحق عندنا بالمال وإما بالعمل وإما بالضمان، أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر؛ لأن الربح نماء لرأس المال، فيكون لمالكه ... ، وأما بالعمل فإن المضارب يستحق الربح بعمله فكذا الشريك وأما بالضمان فإن المال إذا صار مضمونًا على المضارب يستحق جميع الربح ويكون ذلك بمقابلة الضمان ... ، والدليل عليه أن صانعًا تقبل عملًا بأجر، ثم لم يعمل بنفسه ولكن قبله لغيره بأقل من ذلك، طاب له الفضل، ولا سبب لاستحقاق الفضل إلا الضمان ..." (انظر الكاساني 6/ 62) .

وذكر الدكتور محمد شبير أن الحنابلة يتفقون مع الحنفية في القول بجواز دفع المضارب مال المضاربة إلى مضارب غيره بناء على المضاربة المطلقة، وأنه يستحق على ذلك الربح (انظر شبير ص 351) .

في حين أنني لم أقف على رأي للحنابلة يقول بذلك؛ بل إن الحنابلة يقولون مع الجمهور بعدم جواز ذلك إلا بناء على إذن رب المال، ولا يستحق المضارب الأول على ذلك شيئًا من الربح -كما ذكرت-؛ لأن الربح لا يستحق عندهم إلا بالمال أو العمل فقط.

يقول ابن قدامة:"إن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا ويكون العامل الأول وكيلًا لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر ولم يشترط لنفسه شيئًا من الربح كان صحيحًا، وإن شرط لنفسه شيئًا من الربح لم يصح؛ لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح إنما يستحق بواحد منهما" (انظر ابن قدامة 5/ 161 - 162) .

الترجيح: بعد الدراسة والتدقيق في المسألة يتراءى لي رجحان رأي الحنفية؛ لأنه يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في التيسير والتخفيف على الناس، فضلًا عن أنه يواكب روح العصر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت