ويتلاءم مع طبيعة عمل الاستثمار الجماعي في المصارف الإسلامية التي تعتمد في أغلب أعمالها على رجال الأعمال الآخرين كل في مجال عمله، والاستثمار الجماعي لا يؤتي أكله إلا بذلك.
أما ما ذهب إليه الجمهور، وهو القول بعدم جواز دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة إلا بإذن رب المال ومن ثم عدم استحقاق المضارب الأول شيئًا من الربح لعدم قيامه بدور المضارب الذي يحقق الربح؛ فإن هذا الرأي قد ينسجم مع المضارب الخاص، ولكنه لا ينسجم مع المضارب المشترك -وهو المصرف-؛ لأن المصرف يبذل جهودًا مضنية في سبيل تحقيق الربح، ويقوم بأعمال ومهمات لها أبلغ الأثر في نجاح المشروعات التي تستثمر فيها أموال المودعين، كاختياره لرجال الأعمال الموثوق بهم، والذين يعتمد عليهم، ومتابعة سير الأعمال، إلى غير ذلك من الجهود التي يبذلها المصرف في سبيل نجاح المشروعات التي تستثمر فيها أموال المودعين.
الرأي الثاني (انظر محمد باقر ص 41) : لأولئك الذين يقولون بأن المصرف الإسلامي يعد وكيلًا عن أصحاب الأموال، وهو ليس عنصرًا أساسيًا في عقد المضاربة؛ لأنه ليس صاحب رأس المال ولا صاحب العمل، وإنما هو وسيط بين أصحاب الأموال وأصحاب الأعمال، وتتمثل مهمته في تجميع أموال المودعين، ثم دفعها إلى رجال الأعمال والاتفاق معهم مباشرة على استثمار أي مبلغ بعد تأكد المصرف من نجاح المشروع المعروض عليه.
وهذه الوساطة من قبل المصرف تعتبر خدمة محترمة يقدمها المصرف لرجال الأعمال، ومن حقه أن يطلب مكافأة عليها على أساس الجَعالة.
الرأي الثالث: يذهب أصحابه إلى القول بأن المضاربة المشتركة تضم ثلاثة أطراف:
-الطرف الأول: وهم المودعون الذين يقدمون المال بصورة انفرادية للعمل به مضاربة.
-الطرف الثاني: وهم المضاربون من أصحاب المشاريع وأرباب التجارة، وهم الذين يأخذون المال بصورة انفرادية أيضًا؛ ليعمل كل واحد منهم فيما حصل عليه من مال حسب الاتفاق الخاص به.
-الطرف الثالث: وهو الجهة أو الشخص الذي يكون مهمته التوسط بين الطرفين السابقين، وتتمثل أهمية هذا الطرف -أي الثالث- في صفته المزدوجة التي يبدو فيها مضاربًا بالنسبة لأصحاب الأموال، وصاحب مالٍ بالنسبة للمضاربين المنفذين (انظر حمود ص 393، والزحيلي ص 448) .
يقول الدكتور وهبة الزحيلي:"وأما الفريق الجديد الثالث في هذه المضاربة باعتباره وسيطًا، فهو البنك الذي يتصف بصفة مزدوجة، فهو من جهة يعد مضاربًا بالنسبة ... لأصحاب الأموال، ومن جهة أخرى يعد مثل مالك المال بالنسبة للمضاربين، ويمكن وصفه"