وجاء في المغني:"وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله ... فإن قال له اعمل برأيك، جاز له ذلك" (انظر ابن قدامة 5/ 162) .
الترجيح:
بعد ذكر الآراء الواردة في المسألة ومقارنتها يتبين لي رجحان الرأي القائل بجواز خلط أموال المضاربة بمقتضى الإذن الصريح أو التفويض العام لا بمطلق العقد؛ لأن الإنسان يملك التصرف في ماله بجبر خسارة شريكه، فلا إشكال في ذلك (انظر شبير ص 354)
ولأن الخلط كما قال صاحب بدائع الصنائع:"وأما الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقًا لغيره، فلا يجوز إلا بإذنه" (انظر الكاساني 6/ 96) .
وليس المقصود بالإذن هنا الإذن الصريح، وإنما المقصود هو التفويض العام. وصيغة التفويض العام أن يقول صاحب المال للعامل فيه: اعمل برأيك أو بما أراك الله تعالى.
وهذا في رأيي كافٍ لمباشرة المضارب عملية الخلط؛ لأن التفويض العام يُعطي الحق للمضارب في القيام بالأمور المتعارف عليها بين التجار ما دام فيها مصلحة للمضاربة، ومن بين تلك الأمور التي جرى عليها عرف التجار خلط مال المضاربة بغيره في حالة كون رأس مال المضاربة لا يغطي قيمة صفقة تجارية يرى المضارب فيها ربحًا محرزًا ومحققًا ولا خيار أمامه للقيام بهذه الصفقة إلا بخلط مال المضاربة بغيره؛ فتكون في عملية الخلط مصلحة تعود على كلا المالين (انظر الهيتي ص 475) .
وينبغي أن يراعى في مسالة الخلط توزيع الأرباح على أصحاب الأموال بحسب كل مالٍ وفترة استثماره، فليس من العدل في شيء أن يُسوى في الربح بين من أودع ألف جنيه من أول السنة المالية، ومن أودع مثل هذا المبلغ في نصفها.
من خلال تتبع آراء الفقهاء فيما يتعلق بربح المضاربة يتبين أنهم اتفقوا على أن الربح وقاية لرأس المال، ويترتب على ذلك أنه إذا لم يسلم الأصل فلا يكون هناك ربحٌ قابلٌ للقسمة.
لذلك لم يعتبر الفقهاء أي ربح إلا إذا عاد رأس المال كما كان سابقًا، ومن نفس صفة النقد المدفوع في بداية العقد، وبعد خصم مصروفات المضاربة التي جرى عليها عرف التجار وكان فيها مصلحة التجارة.
يقول صاحب بداية المجتهد:"إن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال ..." (انظر ابن رشد 2/ 391) .
وعليه فإن الربح في المضاربة لا يظهر إلا بتنضيض المال، ولكن المضاربة المشتركة التي تقوم على أساس الخلط المتلاحق لأموال المضاربة يصعب فيها التنضيض الحقيقي.