ثالثًا: خيار المجلس: مجلس العقد في العقود المبرمة من خلال المهاتفة عبر الوسائل الإلكترونية. بعد أن انتهينا من بيان مدى إمكانية تطبيق الخيارات الثلاثة المتعلقة بمجلس العقد: خيار الرجوع في الإيجاب، وخيار القبول وخيار المجلس كان لزامًا علينا تحديد مجلس العقد بالنسبة للمتعاقدين من خلال المهاتفة. إن مما لا شك في التعاقد بين الحاضرين والمتباعدين؛ فالتفرق المكاني بين المتباعدين حاصل وأمر مسلم فيه، لكن الشيء الوحيد الذي يجعله أقرب إلى العقد بين حاضرين هو عدم وجود فاصل زماني بين صدور الإيجاب وقبوله واقتران القبول بذلك الإيجاب مباشرة، وذلك من خلال جهاز الاتصال من هاتف وغيره، فجهاز الهاتف وما شابهه هو حلقة الوصل بين المتعاقدين، فإذا ما حصل أي انقطاع في هذا الجهاز، فقد انقطع الوصل بينهما، على عكس المتعاقدين الحاضرين مجلس واحد؛ ذلك لأن المجلس هو -وكما يقول الفقهاء-: «جامع المتفرقات» [1] . ولذلك فإنه لا يتحقق بين الحاضرين إلا بتفرق الأبدان أو كان في العقد خيار. ومن هنا فإنه لا يمكننا قياس التعاقد بالهاتف الناقل للصوت فقط على التعاقد بين حاضرين، أو على التعاقد بين المتباعدين اللذين
(1) راجع فتح القدير لابن الهمام (5/ 78) ، القاهرة، المطبعة الأميرية، 1316 هـ.