ويُعد هذا الشرط - الملكية التامة - طبيعيًا باعتبار أن الزكاة، في أحد معانيها، تمليك المال للغير - الفقير وغيره من مستحقي الزكاة -، والفرد لا يملك أن ينقل ملكية ما لا يملكه هو أصلًا، كما أن المال لايُعد مالًا إلا إذا توافر فيه شرط الملكية التامة وهو ما لا يتحقق بدوره إلا بالملكية والانتفاع معًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان الزكاة قائمة على النماء، وطالما أن الفرد لا يمتلك المال ملكية تامة فهو غير قادر على تنميته، ومن ثم لا يكون محلا ً للزكاة.
وطالما أن يد الوكيل على بضاعة الوكالة يد أمانة، فإن هذه الصفة لاتعطية الحق في التصرف فيها تصرفًا تامًا حسب اختياره ورغبته، حيث أن تصرفه مقيد بشروط الموكل باعتباره المالك، كما أن منافع هذه البضاعة تكون حاصلة للموكل لا الوكيل.
ولذا، فان قيمة هذه البضاعة لا تدخل ضمن الموجودات الزكوية للوكيل في نهاية حوله الزكوى لعدم توافر شرط الملكية التامة.
هذا فيما يتعلق بالوكيل. أما فيما يتعلق بالموكل، فان هذه البضاعة تُعد مملوكة له ملكية تامة، كما أن هذه البضاعة مال مُشْترى بقصد البيع، ومن ثم تخضع للزكاة. وفى ذلك يقول سمرة بن جندب:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نُعد للبيع"أخرجه أبو داود (38) . بالإضافة إلى أن هذه البضاعة مال نام بالفعل (39) . ولذا، فهي تُعد من موجودات الموكل الزكوية في نهاية حوله الزكوى. ولا خلاف في ذلك.
وفيما يتعلق بالسعر الذي يٌقوم به الموكل هذه البضاعة. هل هو التكلفة؟ أم التكلفة أو السوق أيهما أقل أم التكلفة الاستبدالية؟ أم السوق؟، فان التقويم وفقًا للتكلفة (ويقصد بها ثمن شراء البضاعة مضافًا إليها تكاليف الشحن والنقل والتأمين والرسوم الجمركية والمصاريف الأخرى المباشرة التي يتم إنفاقها بمعرفة الموكل والوكيل، وذلك فيما عدا مصروفات البيع وعمولة الوكيل، محسومًا منها أي خصم يحصل عليه الموكل من الموردين(40 ) ) يؤدى إلى إلحاق الضرر بالموكل في حالة انخفاض سعر السوق عن تكلفة الشراء (لانه سوف يزكى بضاعته بالسعر الأعلى) ، أما في حالة ارتفاع سعر السوق عن التكلفة، والأخذ بالتكلفة فان الزكاة سوف تكون على رأس المال فقط (دون الربح) ، ومن الثابت أن زكاة عروض التجارة تكون على رأس المال و النماء معًا لا رأس المال فقط (41) .
وعلى ذلك، فإن التقويم بالتكلفة لا يخلو من ضرر إما بالتاجر في حالة انخفاض سعر السوق وإما بالفقير في حالة ارتفاع سعر السوق. ولذا، فان جمهور الفقهاء يرون أن التقويم بالتكلفة لأغراض قياس وعاء زكاة المال غير جائز شرعًا. وفى ذلك يقول إبن قدامة": ولا يعتبر ما اشتريت به" (42) .
أما فيما يتعلق بالتقويم وفقًا لمبدأ التكلفة أو السوق أيهما أقل، فإن هذا المبدأ سوف يؤدى إلي إلحاق الضرر بالفقير أيضًا في حالة ارتفاع سعر السوق عن التكلفة (وهذا هو الغالب) نظرًا لان الموكل سوف يُزكى بضاعته بالسعر الأقل. كما أن الزكاة يجب أن تكون على رأس المال و الربح معًا لا على رأس المال فقط كما سبقت الاشارة.
ولذا، فان التقويم وفقًا لمبدأ التكلفة أو السوق أيهما أقل لأغراض قياس وعاء زكاة المال غير جائز شرعًا أيضًا.
ويؤيد الباحث ما ذهب إليه جمهور الفقهاء و فريق من المحاسبين من عدم جواز التقويم وفقًا لمبدأ التكلفة وكذا مبدأ التكلفة أو السوق أيهما أقل لان هذين المبدأين إذا كانا مناسبين للتقويم المحاسبي لأغراض قياس وتوزيع الربح بين مستحقيه (الشركاء) ، فانهما لا يصلحان للتقويم الزكوي، وذلك أن هذين المبدأين يقومان على سياسة الحيطة والحذر، وإذا كانت هذه السياسة مقبولة بين الشركاء وبعضهم البعض، فإنها غير مقبولة بين الشركاء وغيرهم من أصحاب الحقوق، وهم هنا الفقراء وغيرهم من مستحقي الزكاة. فالزكاة حق للفقراء والمساكين وغيرهما، وحقوق الغير ليست محلًا للاحتياط.