بينما ذهب جانب أخر من الفقه [1] بالقول، أن المتعاقد وإن كان مكرهًا على التعاقد، إلا أنه يبقى له قدر من الحرية يمكنه من رفض التعاقد وتحمل الجزاء الذي يفرضه القانون في هذه الحالة، وهذا يكفي قانونًا لاعتبار أن العقد قد تم برضاه إذا أقدم عليه.
وقد اتجه جانب أخر من الفقه [2] اتجاهًا خليطًا أو وسطًا بين الاتجاهين سالفي الذكر، حيث ذهبوا بالقول بأنه في العقود المفروضة لا نكون أمام تصرف قانوني إرادي، ولكن أمام عملية قانونية محققة بأثر القانون فقط، ولكن ما زال المبدأ أن الالتزامات التي تولدها هذه العملية بين الطرفين هي التزامات ناتجة عن عقد تم فيه التراضي بحرية، مع التحفظ بأن من لا ينفذ التزاماته القانونية بإبرام العقد يكون معرضًا لجزاءات إدارية أو جنائية مستقلة عن المسؤولية العقدية
وفي رأينا نتفق مع جانب أخر من الفقه [3] بأنه، لو نظرنا للأمر من منظار مبدأ سلطان الإرادة بصورة مجردة لأصبح من العسير جدًا اعتبار التصرفات الصادرة من المتعاقد عقودًا رضائية على النحو المعروف، نظرًا لانتفاء الرضاء. فالمتعاقد يعتبر مكرهًا على الإقدام بإبرام العقد.
أما إذا نظرنا إلى الأمر وفق التصورات الحديثة للعقد ووفق المفهوم المعاصر لمبدأ سلطان الإرادة، حيث أصبحت الإرادة مقيدة بحدود وقيود يفرضها المشرع مراعيًا تحقيق العدل والمصلحة العامة، فعند ذاك يختلف الأمر.
ففي ضوء التطورات الاقتصادية والاجتماعية ينبغي التخفيف من صرامة مبدأ سلطان الإرادة.
وأن القول بتدهور العقد (سقوط هيبة العقد) ينطوي على شيء من المبالغة ولا يتفق مع حقيقة الواقع، بل أن دائرة العقد، بدلًا من أن تضيق وتحد، قد اتسعت حتى أصبحنا من يوم لأخر نجد صورًا جديدة لعقود لم تكن معروفة قبل ذلك،"ففي حدود القيود الواردة على الحرية التعاقدية يمكن القول بأن النظرية التعاقدية قد تغيرت، ولكن القول بتدهور العقد شيء والقول بتقييد الحرية التعاقدية شيء أخر" [4] .
وخلاصة لما سبق ذكره في هذا المبحث هو، وإن كان الأصل في تكوين أو إبرام العقد هو تراضي المتعاقدين، إلا أن مقتضيات الحاجة الاجتماعية في إعطاء المشرع الدور
(1) في مقالة منشورة في المجلة الفصلية المدنية الفرنسية عام 1944.
نقلًا عن: د. عصمت عبد المجيد بكر، المصدر السابق، ص 176.
(2) د. فتحي عبد الرحيم عبد الله، المصدر السابق، ص 65.
(3) د. عصمت عبد المجيد بكر، المصدر السابق، ص 176 - 177.
(4) د. عصمت عبد المجيد بكر، المصدر السابق، ص 176 - 177.