أما بعد أن يقوم الشخص بالتعبير عن رغبته بالتعاقد، ففي هذه الحالة فإن مبدأ الرضائية سيحدد مدى كفاية هذا التعبير في إبرام العقد استنادًا إلى أحكام القانون في مدى اعتبار العقود هي عقودًا رضائية أم شكلية أم عينية.
وخلاصة لما سبق ذكره في مجال التمييز بين مبدأ سلطان الإرادة وبين مبدأ الرضائية، هو أن المبدأ الأول سيعتبر الأساس أو القاعدة العامة في التعاقدات، أما المبدأ الثاني وهو مبدأ الرضائية وتحديد مدى كفاية الاتفاقات أو التوافق بين الإرادتين فسيعتبر الإطار القانوني المحدد لكيفية أو كفاية انعقاد العقد فلو افترضنا بأن القانون اشترط الشكلية في إبرام عقد معين فسيعتبر هذا الاشتراط إحدى الحالات الاستثنائية [1] التي تدرج ضمن القيود المفروضة على الإرادة التعاقدية في أثناء تكوين العقد.
فمدى اشتراط الشكلية في العقود الشكلية أو وجوب التسليم (تسليم محل العقد) في العقود العينية هي عبارة عن إلزام قانوني يحدده المشرع شعورًا منه بأن ذلك هو من متطلبات التعاقد [2] .
واستزادة للتوضيح سنستعير التعبير المجازي في وصف مبدأي سلطان الإرادة والرضائية.
حيث يمكن تشبيه المبدئيين وكأنهما مصفاتان للتنقية المتطلبة قانونًا. فعندما يرغب أحد الأشخاص بالتعاقد في عقد ما. يتوجب عليه مراعاة القيود التي يفرضها مبدأ سلطان الإرادة. فإذا كان العقد لا يخالف النظام العام والآداب فسيعبر قد اجتاز مصفاة التنقية الأولى. وبعد ذلك عليه مراعاة القيود التي قد يفرضها القانون على المتعاقد من شكلية ما أو تسليم محل العقد، فإذا لم يشترط القانون قيدًا معين وإنما اكتفى باعتبار أن العقد رضائي فسيكون المتعاقد وكأنه قد اجتاز مصفاة التنقية الثانية. ومن ثم يكون قرار الدخول في العملية التعاقدية مسألة شخصية يقدرها المتعاقد في إطار الحرية الكاملة له.
ومن العقود الأخرى التي يلزم فيها المشرع طرفي العقد أو أحداهما بتحديد متطلبات التعاقد هو"العقد المأذون" [3] .
(1) أما الحالات الأخرى التي ستعتبر قيودًا على المتعاقدين سواء في أثناء إبرام العقد أو التي ستؤثر وتحدد من مضمون العقد، فستوضح لنا في ثنايا البحث.
(2) ونشير في هذا المجال إلى عدم توسعنا في تناول العقود الشكلية والعينية، وذلك لأن هذه العقود قد سبق تناولها من قبل العديد من الفقهاء والشرح بحيث أصبحت من الأمور المستقر عليها.
ينظر - د. حسن علي الذنون، النظرية العامة للالتزامات، ج 1، مصادر الالتزام، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1976 م، ص 36.
(3) عبد الرحمن عبد الرزاق داؤود الطحان، العقد في ظل النظام الاشتراكي، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد، 1981 م، ص 61.