الصفحة 54 من 106

أرسل الله الرسل، وأنزل معهم الكتب، وشرّع الشرائع، وعظّم ذلك كله، ليس فقط ما شرّع لهذه الأمة، بل كل شريعة كانت في الأمم السابقة، من آدم حتى عيسى عليه السلام، فمن أخل بهذا الأصل العظيم، واستخف بدين الله، وطعن فيه فقد أعظم على الله تعالى الفرية، ارتكب من القول منكرًا وزورًا، وناقض الإيمان بما يأتي على بنيانه من القواعد، فينتقل صاحبه من عداد أهل الإيمان، ويسلكه في زمرة الأشقياء المعاندين المستكبرين، ويصدق عليه قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: الآية 115) .

ومن صور الاستهزاء استخفاف قوم شعيب بالصلاة والزكاة، قال تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (هود: الآية 87) .

ومن صور الاستهزاء بالدين ما فعله السامري من صناعته العجل، وتقديمه لقومه على أنه إلههم، وإله موسى الذي ضل عنه موسى، فهذا استخفاف بدين الله، والتوحيد الذي جاء به موسى عليه السلام، قال تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} (طه: الآية 88) .

كذلك ما فعله النصارى حينما عبدت الصليب من دون الله تعالى، وكان الأولى بهم أن يحرقوا كل صليب على ظهر الأرض لأنه حسب زعمهم الباطل هو الآلة الذي عُذب عليها نبيهم وإلههم.

وهكذا حال العرب في الجاهلية، الذين قال الله عنهم: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} (الأنفال: الآية 35) .

قال ابن كثير: المكاء والتصدية: الصفير والتصفيق [1] .

(1) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير 3/ 314.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت