لكن الذي حدث مع توالى القرون والسنين انحراف الإنسان عن الفطرة السوية، وزين لهم الشيطان كثيرًا من الأفكار الضالة، وانحرفت العقول بأفكار متعددة، واتبع الناس الهوى، فعُبدت آلهة من دون الله، عبدت الأصنام، وغيرها من المعبودات، فكان دين الشرك الذي عُبد به غير الله , لهذا أنزل الله عنهم قائلًا: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} (الأحزاب: الآية 57) .
لهذا أُعتبر الشرك بالله تعالى في ألوهيته، وربوبيته، في حكمه، هو أعظم صورة من صور الاستهزاء، لأن الشرك هو تنقص لله تعالى، لهذا فهو قبح وسفاهة، واستهزاء أن يعبد الناس مع الله غيره من المخلوقات.
من هذه الصور: الظن بالله ظن السوء، قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (الفتح: الآية 6) .
ومنها قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} (البقرة: الآية 165) .
أي يجعلون هذه الآلهة ندًا لله تعالى في المحبة والتعظيم.
ومنها قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام: الآية 1) .
عقب الإمام الطبري على هذه الآية قائلًا: يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد، والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركة في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المتفرّد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره [1] .
المطلب الثاني
صور من الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم
(1) جامع البيان: الطبري، 11/ 252.