ثانيها: حلم الله عليك، حلم الله عليك في إمهالك، ولو شاء الله لعاجلك بالعقوبة، فما كنت ممن يسمع الآن سعة رحمته.
روى [المنذري] بسند جيد عن [عبد الرحمن بن جبير] قال:"أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- شيخ كبير هَرِم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدَّعمُ على عصا -أي: متكئًا على عصا- حتى قام بين يديْ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، لم يترك داجَّة ولا حاجَّة إلا أتاها، لو قُسِّمت خطيئته على أهل الأرض لأوبقتهم -لأهلكتهم-، أله من توبة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: هل أسلمت؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك كلهن خيرات، قال: وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟ قال: نعم، وغدراتك وفجراتك، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم ادَّعم على عصاه، فلم يزل يردد الله أكبر حتى توارى عن الأنظار".
يا من جلّت غفلته، وطالت سكرته، تأمّل عطف المولى عليك، و إحسانه إليك و لا تظن أن الله لا يغفر لك مهما كثرت ذنوبك ففضل الله واسع، لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر إليه الإشارة، لا يهلك إلا هالك، ولا يشقى إلا شقي، فلا تيأس من رحمة ولا تجترئ على معصية الله، وتب كلما أذنبت ..
قال بعضهم لشيخه: إني أذنب، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان، ودَّ لو ظفر منك باليأس والقنوط.
فإن هوى بك إبليسُ لمعصية
بسجدة لك في الأسحار خاشعة
فأَهْلِكَنْه بالاستغفار يَنْتَحِبِ
سجود مُعْترف لله مُغْتَرب
فبالله عليكم، حطّوا بالتوبة عن ظهوركم، واغسلوا وجوهكم بقطرات الدموع، و اشتملوا بأردية التذلل والخضوع.
ركبت مآثمي فلقيت ذلا
وصرت أعاتب القلب المبلا
إلى مولاه يا مولى الموالي
وسالت عبرتي طلا ووبلا
إلى من يشتكي المملوك إلا
فلطفك بي اله العرش أولى