فهرس الكتاب
قول سبحانه: {ألم تر إلى الذين قيل لهم} فيه قولان: الأول أنها نزلت في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن لنا في قتال هؤلاء . فيقول لهم"كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم". فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم . الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فنزلت . وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان ، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين أيضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا . واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد ، وكانوا يعترضون على الله تعالى بقولهم: {لم كتبت علينا القتال} وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم {قل متاع الدنيا قليل} وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: {قل متاع الدنيا قليل} إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة . والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} في شأنهم بلا اختلاف . وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول ، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله . وإذا في {إذا فريق} للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى