فهرس الكتاب
[227] فإن قيل: كيف صلح قوله: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27] جوابا لقوله: (لَأَقْتُلَنَّكَ) [المائدة: 27] ؟
قلنا: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له ذلك كناية عن حقيقة الجواب وتعريضا، معناه إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا منّي فلم تقتلني؟
[228] فإن قيل: كيف قال هابيل لقابيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة: 29] ، أي تنصرف بهما؛ مع أن إرادة السوء والوقوع في المعصية للأجنبي حرام، فكيف للأخ؟
قلنا: فيه إضمار حرف النفي تقديره: إنّي أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) [النمل: 15] ، أي أن لا تميد بكم، وقوله تعالى: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف: 85] ، وقول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا
الثاني: أن فيه حذف مضاف تقديره: إني أريد انتفاء أن تبوء بإثمي وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: 93] ، أي حبّ العجل.
الثالث: أن معناه، إنّي أريد ذلك إن قتلتني لا مطلقا.
الرابع: أنه كان ظالما، وجزاء الظالم تحسن إرادته من الله تعالى فتحسن من العبد أيضا.
[229] فإن قيل: قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) [المائدة: 31] ، يدل على أنّ قابيل كان تائبا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة» ؛ فلا يستحق النار.
قلنا: لم يكن ندمه على قتل أخيه؛ بل على حمله على عنقه سنة، أو على عدم اهتدائه إلى الدفن الذي تعلّمه من الغراب، أو على فقد أخيه لا على المعصية، ولو سلمنا أن ندمه كان على قتل أخيه، ولكن يجوز أن الندم لم يكن توبة في شريعتهم، بل في شريعتنا، أو نقول: التّوبة تؤثر في حقوق الله تعالى لا في حقوق العباد، والدّم من حقوق العباد، فلا تؤثر فيه التّوبة.
[230] فإن قيل: كيف يكون قتل الواحد كقتل الكل، وإحياء الواحد كإحياء الكل والدليل يأباه من وجهين: أحدهما: أن الجناية كلما تعددت وكثرت كانت أقبح فتناسب زيادة الإثم والعقوبة، هذا هو مقتضى العقل والحكمة.