* فإن قلتَ: فما حكمُ الألفاظِ التي ليستْ بصِيَغِ القَسَمِ، وإنما تخرجُ مَخْرَجَ الإلزام المُعَلَّقِ بالشروطِ، مثل أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فَعَلَيَّ صومُ يومٍ، وامرأتي طالِق، وغلامي حُرٌّ، هل هي أَيمان يلزمُه بها ما التزَمَهُ، ويجبُ بمخالَفَتِها الكَفارَةُ؛ لما فيها من الحَثِّ والامْتِناع أو لا؟
قلت: ليست بأَيْمانٍ في عُرفِ اللغة، وأما في عُرْفِ الشَّرعِ، فاختلفوا:
فقال الشافعيُّ وأحمدُ: ليست بأيمانٍ تجبُ بها الكفارةُ؛ وإنما هي نذورٌ يجبُ بها ما التزمَه.
ويروى هذا عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - .
وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ الكفارة في التعليقِ بالعتق وحدَه.
وقال مالكٌ: هي أيمان تجبُ بها الكفارةُ؛ لقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] ، مع قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] ، فسماها الشرع يميناً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"كفارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ"، حتى قال بعض المالكيةِ: النذرُ يمينٌ حقيقةً.
وقال أهلُ الظاهرِ: ليست بأيمانٍ يلزمُ منها الإثمُ والكَفّارةُ، ولا بِنُذورٍ يلزم بها ما التَزَمَهُ، وإنما يجبُ بذلك ما أَلْزَمَهُ الشرعُ؛ كالطلاقِ، والعتق.
وسيأتي الكلامُ على ذلك في النذر - إن شاء الله تعالى - .
* ثم ذكرَ اللهُ سبحانه وتَعالى بعدَ اليمينِ الكَفارَةَ مُفَضَلَةً مُبَيَّنَةً، فخيَّرَ في أَوَّلِها، ورتَّبَ في آخرِها، فخيَّرَ بينَ الإطعامِ والكُسوةِ والتَّحريرِ.
وعلى هذا اتفقَ العُلَماءُ من الخَلَفِ والسَّلَفِ، إلا ما رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ - رضي اللهُ تعالى عنهما -: أنه كانَ إذا أَكَّدَ اليمينَ، أعتقَ، أو كَسا، وإذا لم يُؤَكِّدْها، أَطْعَمَ.
قيلَ لنافعٍ: ما التأكيد؟ قال: أن يحلفَ على الشَّيْءِ مِراراً.
ولو أرادَ الحالِفُ أن يطعمَ خَمْسَةَ مساكينَ، ويكسوَ خمسةً؛ لم يجزُ؛ لأن الله سبحانَهُ خَيَّرَ بينَ الأنواعِ، ولم يخيرَّ في تنويعِ الأنواعِ.
ومطلقُ الخطابِ يقتضي وجودَ التكفيرِ بحصولِ الإطعام للمساكين في أيِّ صورةٍ كانت، فلو غَداهُم وعَشّاهُم، جاز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُجزئ إلا التمليكُ التامُّ؛ قياساً على الفِطْرَةِ، فقيد هذا الإطلاق بالقياس.
* وإضافةُ الإطعامِ إلى العشرةِ المساكينِ يوجبُ التَّخْصيصَ بهم، والملكَ لهم، ولا يصحُّ العدولُ عنهم.