ما قال فإنك أنت الغفور الرحيم لأن الغفور الرحيم يغفر الذنوب ولكن هذا شِرك. والإشراك بالله سبحانه وتعالى جُرمٌ عظيم جداً. لم ترد الغفور الرحيم في مواطن الشِرك وهنا موطن شرك فلا يناسبه كلمة الغفور الرحيم لأن الغفور صيغة مبالغة من المغفرة يعني العظيم الغفارن. فلا يناسب العظيم الغفران مع الجُرم الشديد وإنما يحتاج إلى كلام عن العزة والحكمة وإلا كان يمكن في غير القرآن أن يقول فإنك أنت الغفور الرحيم وقد قالها في مواطن أخرى ولا يعجزه أن يقول هنا فإنك أنت الغفور الرحيم لكن غيّر ما يتوقعه الإنسان حتى يبين عِظَم الجُرم وأن الذي يقضي فيه هو عزيز حكيم عزّ فحكم كقول ذلك الأعرابي في آية السارق والسارقة. لأن هذه مسألة (الإشراك) ليس من السهل الغفران فيها ومع ذلك عيسى ِ يحاول، هم فعلوا هذا وارتكبوا هذا الجُرم فإذا صدر منك عقاب لهم فهو عبيدك تفعل بهم ما تشاء. وإن غفرت لهم فأنت تغفر بعزّتك وحكمتك، بالعزة والحكمة وليس بالغفران الذي هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وإنما العزة والحكمة وليس الغفران والرحمة. ومن هنا جاء التعبير بهاتين الكلمتين (فإنك أنت العزيز الحكيم) . مع المقدرة على أن يقول في غير هذا الموضع: فإنك أنت الغفور الرحيم.
فلما ننظر في الآيات نحن أولاً نتذكر عيسى - عليه السلام - ونتذكر طبيعته، تلك الطبيعة الليّنة الهيّنة المسالمة، عيسى - عليه السلام - لم يدخل معركة ولم يقاتل أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فدخل معارك. عيسى - عليه السلام - ما قوتِل وما جاءه جيش وما حارب شيئاً فكان حديثه مع الناس حديثاً ليّناً فيه نوع من الرقة والليونة ولذلك نشكك في بعض النصوص. لما يأتي نصٌ يقول: من ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر، هذه المسامحة المعلومة عن عيسى - عليه السلام - . لكن لما يقول في نص آخر عن أعدائه: جيئوا بهم فاذبحوهم قُدّامي، هذا الذي أخذ به الصِرب الأرثوذوكس مع الكروات المسيحيين والمسلمين فذبحوا الكروات النصارى وذبحوا المسلمين لأنهم وجدوا هذا النص عن المسيح - عليه السلام - وحاشاه أو يقوله. هذا ليس من شأنه - عليه السلام - .