وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَحْثٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي مَسْأَلَةٍ دِينِيَّةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، وَهِيَ الْمُكَاتَبَةُ
وَالْعِتْقُ وَالْوَلَاءُ ، وَسَبَبُ الْحَدِيثِ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَتْ:"وَجَاءَتْنِي بِرَيْرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي ، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي ، فَعَلْتُ . فَذَهَبَتْ بِرَيْرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ، وَرَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ ..."إِلَخْ ."
فَالْوَاقِعَةُ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ اشْتُرِطَ فِيهِ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ اللهِ فَكَانَ لَغْوًا ، وَالْأُمُورُ الدِّينِيَّةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى النَّصِّ ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشَّرِكَاتِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ; فَالْأَصْلُ فِيهَا عُرْفُ النَّاسِ ، وَتَرَاضِيهِمْ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي تَحْلِيلِ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ .