والحق هنا يخاطب المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} أي أننا أمام"إيمان"و"عقد". وشرحنا معنى الإيمان ، أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين ، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه وأن يأخذ ما له . وسمي العقد عقداً ؛ لأن العقد هو الربط ، أي شيء لا ينحل من بعد ذلك . ولذلك نسمي ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم"عقيدة". لأنها الأمر المعقود ، وليس الأمر الطارئ الذي يأتي اليوم وينتهي غداً . والشيء المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفو إلى العقل ليُبحث من جديد ، بل إنه مستقر وثابت في القلب . ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود . والعقود - كما نعلم - هي جمع ل"عقد"وبالإسلام عقود كثيرة ، تبدأ بالعقد الأول وهو عقد الذر: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172]
ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ساعة التطبيق ويفر منها ، ثم نأتي إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف فيها آدم وذريته من بعده ، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك الأسباب وتدين لك بعض الوقت . لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت فقط ، وحين تبذر البذور في الأرض وتروي الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير الله أَرْضَه لك .