مَرْضَاتِهِ بِالْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ ، مِمَّا يُغَذِّي الْإِيمَانَ بِهِ ، وَيَطْبَعُ فِي النَّفْسِ مَلَكَةَ الْمُرَاقَبَةِ لَهُ ، فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ طَهَارَةٍ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَالْمُلَاحَظَةِ ، الَّتِي شَرَحْنَا مَعْنَاهَا فِي بَحْثِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ ، جَذْبَةٌ إِلَى حَظِيرَةِ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ ، تَتَزَكَّى بِهَا نَفْسُهُ ، وَتَعْلُو بِهَا هِمَّتُهُ ، وَتَتَقَدَّسُ بِهَا رُوحُهُ ، فَيَصْلُحُ بِذَلِكَ عَمَلُهُ ، وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ ; لِهَذَا كَانَ لِأُولَئِكَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ، مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ، تِلْكَ الْأَعْمَالُ وَالْآثَارُ ، وَالْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ
وَالْإِيثَارُ ، الَّتِي لَمْ يَعْهَدِ الْبَشَرُ مِثْلَهَا فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ ، وَهَذَا مِمَّا يَتَجَلَّى بِهِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَضَعْفِ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا .
(الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ) : اتِّفَاقُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الطَّهَارَاتِ بِكَيْفِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَسْبَابٍ وَاحِدَةٍ أَيْنَمَا كَانُوا وَمَهْمَا كَثُرُوا وَتَفَرَّقُوا ، وَأَنَّ اتِّفَاقَ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ أَسْبَابِ الِاتِّفَاقِ فِي الْقُلُوبِ ; فَكُلَّمَا كَثُرَ مَا تَتَّفِقُ بِهِ كَانَ اتِّحَادُهَا أَقْوَى ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .