(قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) أمر الله تعالى رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم ادعاءهم، بإثبات القدرة لله تعالى، فإن صفة الله الذي يعبد لأجلها أساسها القدرة على الإنشاء وعلى الإفناء من غير قيد يقيدها ولا مانع يمنعها، فإذا كان المسيح لَا يملك أن يدفع عن نفسه الإعدام، فهو أولى بألا يستطيع الإنشاء ولا الإفناء.
والمعنى: قل لهؤلاء الذين يدعون الألوهية للمسيح: من يملك من دون الله أمرا يستطيع أن يمنعه سبحانه بأي قدر من قدرته تعالى إن اتجهت إرادته العالية إلى إهلاك المسيح وأمه، وفي الجملة السامية إشارات بيانية:
منها - في قوله: (فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) لأن (يملك) معناه يتضمن معنى يمنع، أي من يمنع من قدرة الله وأمره شيئا، وتنكير كلمة"شَيْئًا"للتصغير، أي قدرا ولو كان ضئيلا.
ومنها - أن التعبير بـ"يملك"يستفاد منها أن قدرة الله تعالى قدرة من يملك، وليست قدرة مستعارة أو مأخوذة من غيره.
ومنها - أن ذكر الإهلاك في هذا المقام فيه دلالة مادية في زعمهم على بطلان ما يدعون؛ لأنهم زعموا أن عيسى أهلكه الرومان بتحريض وشهادة الزور من اليهود لعنهم الله، فكيف يكون إلها، وهو لَا يملك حماية نفسه، مع أن وصف الإله يوجب أن تكون قدرته على الإهلاك والإبقاء ثابتة.
ومنها - أنه ذكر المسيح مضافا إلى أمه، على أنه متولد منها، فكيف يكون من الفاني الإله الباقي، وهو ابن الله في زعمهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وإن الذي يستمسكون به بالباطل في هذا الزعم الباطل أنه خلق من غير أب، وقد رد سبحانه وتعالى زعمهم في قضية عامة بقوله تعالى:(وَللَّه مُلْكُ
السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ).