{قل: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم ، وأمه ، ومن في الأرض جميعاً؟} .
فيفرق تفرقة مطلقة بين ذات الله سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه ، وبين ذات عيسى - عليه السلام - وذات أمه ، وكل ذات أخرى ، في نصاعة قاطعة حاسمة. فذات الله - سبحانه - واحدة. ومشيئته طليقة ، وسلطانه متفرد ، ولا يملك أحد شيئاً في رد مشيئته أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً..
وهو - سبحانه - مالك كل شيء ، وخالق كل شيء ، والخالق غير المخلوق. وكل شيء مخلوق:
{ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء ، والله على كل شيء قدير} ..
وكذلك تتجلى نصاعة العقيدة الإسلامية ، ووضوحها وبساطتها.. وتزيد جلاء أمام ذلك الركام من الانحرافات والتصورات والأساطير والوثنيات المتلبسة بعقائد فريق من أهل الكتاب وتبرز الخاصية الأولى للعقيدة الإسلامية. في تقرير حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية ، والفصل التام الحاسم بين الحقيقتين. بلا غبش ولا شبهة ولا غموض..
واليهود والنصارى يقولون: إنهم أبناء الله وأحباؤه:
{وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه} ..
فزعموا لله - سبحانه - أبوة ، على تصور من التصورات ، إلا تكن أبوة الجسد فهي أبوة الروح. وهي أياً كانت تلقي ظلاً على عقيدة التوحيد ؛ وعلى الفصل الحاسم بين الألوهية والعبودية. هذا الفصل الذي لا يستقيم التصور ، ولا تستقيم الحياة ، إلا بتقريره. كي تتوحد الجهة التي يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية ؛ وتتوحد الجهة التي تشرع للناس ؛ وتضع لهم القيم والموازين والشرائع والقوانين ، والنظم والأوضاع ، دون أن تتداخل الاختصاصات ، بتداخل الصفات والخصائص ، وتداخل الألوهية والعبودية.
فالمسألة ليست مسألة انحراف عقيدي فحسب ، إنما هي كذلك فساد الحياة كلها بناء على هذا الانحراف!