فهرس الكتاب
19 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} ؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمَّد - صلى الله عليه وسلم - الذي بشرتم به في كتبكم، وأخبركم به أنبياؤكم حالة كونه {يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} ؛ أي: في زمن انقطاع من الرسل وطول عهد بالوحي، جميع ما تحتاجون إليه من أمور دينكم ودنياكم، من عقائد أفسدتها عليكم نزعات الوثنية، وأخلاق وآداب صحيحة أفسدها عليكم إفراطكم في الأمور المادية والروحية، وعبادات وأحكام تصلح أمور الأفراد والمجتمع. وقد أرسل صلوات الله عليه، وقد فشا التغيير والتحريف في الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها، وطول زمانها، فاختلط فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب، وصار ذلك عذرًا ظاهرًا في إعراض الخلق عن العبادات، إذ لهم أن يقولوا: يا إلهنا عرفنا أنَّه لا بدّ من عبادتك، ولكن كيف نعبدك؛ فبعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الحين لإزالة هذا العذر الذي بينه سبحانه بقوله: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} ؛ أي: إنَّما أرسلنا إليكم رسولنا في زمن فترة الرسل، وانقطاع الوحي، كراهية أن تقولوا ما جاءنا من بشير يبشرنا بحسن العاقبة للمؤمنين، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة للمفسدين والضالين؛ أي: أرسلناه كراهية أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم {فـ} ـلا تعتذروا لأنَّه {قد جاءكم بشير ونذير} يبين لكم أمر النجاة والخلاص والسعادة الأبدية، وأنها منوطة بالإيمان والأعمال، وأن الله لا يحابي أحدًا {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلَى كُلِّ شَيْء} أراده {قَدِيرٌ} ؛ أي: قادر، ومن دلائل قدرته نصر نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وإعلاء كلمته في الدنيا، وفي ذلك رمز لكم - إن كنتم من ذوي الأحلام - إلى ما يكون له من المنزلة في الدار الآخرة.