فاعف عما بدر منهم، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان، إن الله يحب المحسنين الذين أحسنوا العفو والصفح عن المسيء، ويثيبهم على إحسانهم، وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: «ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه» وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم.
وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم عامل طوائف اليهود الثلاث حول المدينة (وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة) أحسن معاملة في بدء الأمر وأثنائه ونهايته، ففي البداية بعد الهجرة إلى المدينة عقد معهم صلحا معروفا هو وثيقة المدينة، ووادعهم وعاهدهم على المسالمة وألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوا له، وأنهم آمنون
على أنفسهم وأموالهم، ويتمتعون بالحرية الكاملة. وفي أثناء الحياة القائمة على التعايش السلمي نقضوا العهد وخانوا النبي وانضموا إلى معسكر قريش واشتركوا مع العرب في حرب المسلمين، فاكتفى النبي صلّى الله عليه وسلّم بطردهم من جواره. وفي نهاية الأمر لم يعاقب النبي اليهود على خيانتهم وغدرهم، ولكنه أوصى بإجلائهم من جزيرة العرب ومنها الحجاز.
ثم ذكر الله تعالى ميثاقه مع النصارى، فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى .. أي وكذلك أخذنا العهد والميثاق على النصارى على متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى الناس، ففعلوا كما فعل اليهود، بدلوا دينهم، وخالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، لهذا قال تعالى:
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا .. أي تركوا العمل بأصول دينهم رغبة عنه، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، فإن طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا. وسينبئهم الله يوم القيامة بما صنعوا في الدنيا، وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى ما نسبوه إلى الرب عز وجل من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك، ويجازيهم على ذلك بقدر ما يستحقون حتما في الآخرة.