لو كان حُبُّك صادقاً لأطعته ... إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ
وإذا كان الحب للأحوال كالتوبة للمقامات فمن ادعى حالاً يعتبر حبه، ومن ادعى محبة تعتبر توبته، فإن التوبة روح الحب، وهذا الروح قيامه بهذا القالب، والأحوال أعراض قوامها بجوهر الروح.
وقال سمنون: ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة، لأن النبي قال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» فهم مع الله تعالى.
وقال أبو يعقوب السوسي: لا تصح المحبة حتى تخرج من رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة من حيث كان له المحبوب في الغيب ولم يكن هذا بالمحبة، فإذا خرج المحب إلى هذه النسبة كان محباً من غير محبة.
سئل الشبلي عن المحبة؟ فقال: كأس لها وهج إذا استقر في الحواس وسكن في النفوس تلاشت.
وقيل: للمحبة ظاهر وباطن، ظاهرها اتباع رضا المحبوب، وباطنها أن يكون مفتوناً بالحبيب عن كل شيء ولا يبقى فيه بقية لغيره ولا لنفسه؛ فمن الأحوال السنية في المحبة والشوق، ولا يكون المحب إلا مشتاقاً أبداً؛ لأن أمر الحق تعالى لا نهاية له؛ فما من حال يبلغها المحب إلا ويعلم أن ما وراء ذلك أوفى منها وأتم:
حزني كحسنك لا لذا ... ينهى إليه ولا لذا أمد
ثم هذا الشوق الحادث عنده ليس من كسبه، وإنما هو موهبة خص الله بها المحبين.
قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان الداراني فرأيته يبكي، فقلت: ما يبكيك رحمك الله قال:
ويحك يا أحمد، إذا جن هذا الليل افترشت أهل المحبة أقدامهم وجرت دموعهم على خدودهم، وأشرف الجليل جل جلاله عليهم يقول: يعنيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى مناجاتي، وإني مطلع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم وأرى بكاءهم، يا جبريل ناد فيهم ما هذا البكاء الذي أراه فيكم؟ هل خبركم مخبر أن حبيباً يعذب أحبابه بالنار؟ كيف يجمل بي أن أعذب قوماً إذا جن عليهم الليل تملقوا إلي؟ فبي حلفت إذا وردوا القيامة على أن أسفر لهم عن وجهي وأبيحهم رياض قدسي.
وهذه أحوال قوم من المحبين أقيموا مقام الشوق، والشوق من المحبة كالزهد في التوبة: إذا استقرت التوبة ظهر الزهد، وإذا استقرت المحبة ظهر الشوق.
قال الواسطي في قوله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} قال: شوقاً واستهانة بمن وراءه {قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي} (طه: الآية 84) من شوقه إلى مكالمة الله، ورمى بالألواح لما فاته من وقته.
قال أبو عثمان: الشوق ثمرة المحبة، فمن أحب الله اشتاق إلى لقائه.