وقال أيضاً في قوله تعالى: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} (العنكبوت: الآية 5) تقربة للمشتاقين، معناه: إني أعلم أن شوقكم إلي غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلاً، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.
وقال ذو النون: الشوق أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموت شوقاً إلى ربه ورجاء للقائه والنظر إليه.
وعندي: أن الشوق الكائن في المحبين إلى رتب يتوقعونها في الدنيا، غير الشوق الذي يتوقعون به ما بعد الموت، والله تعالى يكاشف أهل وده بعطايا يجدونها علماً ويطلبونها ذوقاً؛ فكذلك يكون شوقهم ليصير العلم ذوقاً، وليس من ضرورة مقام الشوق استبطاء الموت، وربما الأصحاء من المحبين يتلذذون بالحياة لله تعالى، كما قال الجليل لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: الآية 162)
فمن كانت حياته لله، منحه الكريم لذة المناجاة والمحبة، فتمتلئ عينه من النقد، ثم يكاشفه من المنح والعطايا في الدنيا ما يتحقق بمقام الشوق من غير الشوق إلى ما بعد الموت.
وأنكر بعضهم مقام الشوق وقال: إنما يكون الشوق لغائب، ومتى يغيب الحبيب عن الحبيب حتى يشتاق؟ ولهذا سئل الأنطاكي عن الشوق؟ فقال: إنما يشتاق إلى الغائب وما غبت عنه منذ وجدته، وإنكار الشوق على الإطلاق لا أرى له وجهاً؛ لأن رتب العطايا والمنح من أنصبة القرب إذا كانت غير متناهية كيف ينكر الشوق من المحب؟ فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسبة إلى ما وجد، ولكن يكون مشتاقاً إلى ما لم يجد من أنصبة القرب، فكيف يمنع حال الشوق والأمر هكذا؟ ووجه آخر: أن الإنسان لا بد له من أمور يردها حكم الحال لموضع بشريته وطبيعته وعدم وقوفه على حد العلم الذي يقتضيه حكم الحال، ووجود هذه الأمور مثير لنار الشوق، ولا نعني بالشوق إلا مطالبة تنبعث من الباطن إلى الأولى والأعلى من أنصبة القرب، وهذه المطالبة كائنة في المحبين، فالشوق إذاً كائن لا وجه لإنكاره.
وقد قال قوم: شوق المشاهدة واللقاء أشد من شوق البعد والغيبوبة، فيكون في حال الغيبوبة مشتاقاً إلى اللقاء، ويكون في حال اللقاء والمشاهدة مشتاقاً إلى زوائد ومبار من الحبيب وإفضاله، وهذا هو الذي أراه وأختاره.