وروى الشيخان أَن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: [لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الْوَحْيِ، لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ... } لما فيها من عتاب شديد للنبي صلى الله عليهِ وسلم] .
وكما أَن هذه الآيةْ تُبَيِّن أَن الرسول لم يكتم شيئًا من الوحي عن أحد من الناس، فإِن قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يدل على أَن الله تَكفَّل بحفظ كتابه الكريم؛ الذي أمر الرسول بتبليغه فبلغه.
قال الزهرى - فيما رواه البخاري -"مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ. وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ. وَعَلَيْنَا التسْلِيمُ. وَقدْ شَهدَت أمتُه لَه بتَبْليغ الرِّسالَةِ في حجة الوداع"وقد أَدى هذه الشهادة أَربعون أَلفا حضروا معه حجة الوداع.
{وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} :
إن القرآن الكريم، فضح أكاذيب المنافقين، وسفّه أحلام المشركين، وأظهر انحراف اليهود والنصارى عن الصراط القويم، مما حمل الجميع على مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إعلان الحرب عليه، أو محاولة اغتياله. وهو لا يبالى بما يلقاه في سبيل الله، ولكن الله سبحانه، زاده اطمئنانا بأنه سيمكّنه من أداءِ رسالته كاملة، وأنه سيحفظه ويرعاه, حتى يلقى الله.
رَوَى الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم، حَرَسٌ يحرسونه فلما نزل قوله تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أخرج رأْسه من القُبّه، فقال لحرَّاسه:"يَأيها النّاسُ انصرِفُوا فَقَدْ عَصَمنِي اللهُ".
{إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} :
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ رسالته، وطمأنه بأَن الله سيحفظه ويرعاه، فلا عليه بعد هذا من أعدائه الكفار، وإن الهدى هدى الله. والله لا يهدي من ظلموا أَنفسهم بالتزامهم الإِمعان في الكفر، واللجاج في العناد، والإِصرار على الإِلحاد.