وينير النور الإلهي بصيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستعرض الأرض كلها حتى يختار مكاناً آمنا يذهب إليه هؤلاء المؤمنون ، فيختار الحبشة . لم يشأ صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالذهاب إلى أي قبيلة من القبائل ، لأنه يعلم أن كل قبائل الجزيرة تخشى قريشاً ، فموسم الحج جامع للقبائل تحت سيادة قريش . ومن يقف ضد إرادة قريش فسيتعرض للمتاعب ، وعلى ذلك لن يأمن رسول الله على خلايا الإيمان أن يذهبوا إلى أي قبيلة . واستقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض كلها ، واختار الحبشة؟ لماذا؟
ها هي ذي كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم باقية إلى زماننا:"إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم به".
وفي حديث الزهري: لما كثر المسلمون ، وظهر تعذيب الكفار - قال عليه الصلاة والسلام:"تفرقوا في أرض الله فإن الله سيجمعكم ، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: إلى ها هنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة".
وتسللوا في جنح الليل إلى الطريق متجهين إلى الحبشة . وعندما علمت قريش بالخبر حاولت أن تقطع عليهم الطريق لتعيدهم إلى مكة لتواصل الحملة عليهم والتنكيل بهم لصدهم عن الإسلام . ولكن الحق أراد أمراً مختلفاً وكان الطريق سهلاً ، ووصلوا إلى الحبشة ، وأنجاهم الله من كيد الكافرين .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك - بما علمه له ربه - الخبرة الكاملة بالرقعة الأرضية ويعرف من يظلم من الحكام ومن لا يظلم . وصدق رسول الله في فراسته الإيمانية ، فحينما ذهب المؤمنون المهاجرون إلى الحبشة وجدوا أنهم دخلوا دار أمن ، أمنوا فيها على دينهم . وجن جنون قريش وأرادوا استرداد هؤلاء القوم من النجاشي ملك الحبشة فأرسلوا صناديدهم ومعهم الهدايا والتحف لملك الحبشة .