وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} وَعِيدٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ ؛ وَهَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَتَدَافَعُونَهُ ، وَإِنَّمَا يَجْهَلُهُ مَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِيهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلَوْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالدِّيَةُ إنَّمَا دَخَلَتْ فِي اللَّفْظِ حَسَبَ دُخُولِ الرَّقَبَةِ.
قِيلَ لَهُ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَعُمُومِهِ إيجَابُ دِيَاتٍ بِعَدَدِ الْقَاتِلِينَ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ يَقْتَضِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ قَتَلَاهُ عَمْدًا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ قَاتِلِ لَهُ عَلَى حِيَالِهِ وَيُقْتَلَانِ جَمِيعًا بِهِ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ لَا يَرِثُ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَتَلَ بَعْضَهُ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ مِمَّا قَتَلَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ ؟ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَا يَرِثَانِ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ قَاتِلٌ لَهُ وَحْدَهُ ، كَذَلِكَ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ ؛ إذْ كَانَتْ النَّفْسُ لَا تَتَبَعَّضُ ، وَكَذَلِكَ قَاتِلُو الصَّيْدَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِلصَّيْدِ عَلَى حِيَالِهِ ؛ فَتَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ تَامَّةٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى ذَلِكَ كَفَّارَةً بِقَوْلِهِ:
{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} وَجَعَلَ فِيهَا صَوْمًا ، فَأَشْبَهَتْ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ.