فهرس الكتاب
وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فَبَنَاهُ فِي أَسْرَارِ اللَّهِ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: السِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْعِبَادِ ، فَقَدْ ارْتَكَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَحْظُورًا فِي إحْرَامِهِ.
وَإِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا أَتْلَفَ نَفْسًا مُحْتَرَمَةً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ دَابَّةً ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ دَابَّةً ، وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَهُوَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ.
وَقَدْ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ فِي الْحَرَمِ ، كَمَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيٌ ، فَهُوَ هَاتِكٌ لَهَا فِي الْحَالَيْنِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقْوَى مِنَّا ، عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا: إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَصْلًا.
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ: حُرْمَةُ الْحَرَمِ كَالْإِحْرَامِ ، وَاللَّفْظُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، يُقَالُ: أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ، كَمَا يُقَالُ: أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ مَنْ أَسْقَطَ الْجَزَاءَ فِيهِ ، وَيُضَعَّفُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ وَعُمُومِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: