وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ الْكُعُوبَةِ وَهُوَ النُّتُوُّ ، فَقِيلَ لِلتَّرْبِيعِ كَعْبَةٌ لِنُتُوِّ زَوَايَا الْمُرَبَّعِ ، وَمِنْهُ كَعَبَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إذَا نَتَأَ ، وَمِنْهُ كَعْبُ الْإِنْسَانِ لِنُتَوِّهْ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْتَهِي إلَيْهِمَا الْغَسْلُ فِي الْوُضُوءِ هُمَا النَّاتِئَانِ عَنْ جَنْبَيْ أَصْلِ السَّاقِ.
وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْبَيْتَ حَرَامًا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ لِتَحْرِيمِ صَيْدِهِ وَخَلَاهُ وَتَحْرِيمُ
قَتْلِ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَالْمُرَادُ الْحَرَمُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: (هُوَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ: ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ وَهُوَ رَجَبُ ؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهَا وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا فِي مَعَايِشِهِمْ ، فَكَانَ فِيهِ قِوَامُهُمْ.