[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(بشائر عيسى ومحمد في العهدين العتيق والجديد)
الدكتور: محمد توفيق صدقي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله. أما بعد فلا خلاف بين أحد من
المسلمين أن أسفار أنبياء بني إسرائيل قد بشَّرت بالمسيح ومحمد عليهما الصلاة
والسلام فلا ننكر على النصارى كثيرًا مما يستشهدون به من العهد القديم على نبوة
عيسى وكثير من أحواله وأخباره، والذي ننكره عليهم إنما هو استشهادهم بالعهد
القديم على صلبه وألوهيته. فتتميما لبحثي السابق في (القرابين والضحايا) [1]
أردت أن آتي هنا على أعظم حجج النصارى من كتب اليهود على صلب المسيح
وألوهيته وأُظْهِر بطلانها واحدة بعد أخرى، ثم آتي ببعض الدلائل على فساد كتاب
العهدين وأختم مقالي ببيان أن التوراة والإنجيل الحاليين - وإن كان قد دخلهما
التحريف والتبديل - لا يزالان يشتملان على كثير من البشائر الدالة على صحة نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم تصديقًا لقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ
عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ
الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ
أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (الأعراف: 157) .
ولا يخفى على الباحثين أن أساس الديانة المسيحية إنما هو العهد القديم وما
يستشهدون به منه على عقائدهم ولولاه ما كانت لهم حجة واحدة على عقيدة من
عقائدهم التي يخالفوننا فيها، فعلى العهد القديم مبنى اعتقادهم وهو أساس دينهم؛
ولذلك كان البحث في هذه المسألة ونقضها بالدلائل نقضًا للدين المسيحي الحالي كله
من أساسه، ولولا اعتداؤهم علينا في ديننا ما تعرضنا لهم بشيء من مثل هذا فهم
البادئون، والبادئون هم الظالمون، فنقول وبالله تعالى وحده نستعين:
(الفصل الأول)
في بيان فساد ما يستشهدون به على الصلب في العهد القديم
(برهانهم الأول) قالوا: إن النبي دانيال أخبر في كتابه عن صلب المسيح
وأن ذلك كفارة لذنب أمته وأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده، ومع أن اليهود ينكرون
مسيحنا إلا أن هذا الكتاب لا يزال عندهم وهم يعتقدون صحته [2]
(1) نشرت رسالته المنوه بها في الجزء الأول من هذا المجلد.
(2) حاشية كتاب دانيال هذا يقول فيه صاحب كتاب (إظهار الحق:) إنه لم يكن مسلمًا عند اليهود القدماء قبل عيسى عليه السلام ولا في زمنه ولم تكن اليهود تعترف بنبوة دانيال أيضًا وإنما كان تسليمهم بصحة هذا الكتاب ونبوة دانيال بعد عصر عيسى عليه السلام وعليه فجميع ما يأتي في هذه الرسالة هو على فرض أن هذا الكتاب كان معترفًا به بين اليهود القدماء وهو وإن كان مسلمًا به عند جميع النصارى الأقدمين إلا أن البروتستنت تعترف أنه قد زيد فيه الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر وكذلك نشيد الفتيان الثلاثة المقدسين فلذا حذفوا هذه الأشياء من نسخهم ولكن أبقاها الكاثوليك للآن عندهم فلا يبعد أنه قد زيد فيه أشياء أخر ودخلت في أصله العبري قبل أن تعترف به اليهود ويعولوا عليه فانطلقت عليهم هذه الزيادات فيما بعد (راجع الفصل الثالث من هذه الرسالة) .