فهرس الكتاب
فصل فِي منزلة البسط والتخلي عن القبض
قال ابن القيم:
فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة البسط والتخلي عن القبض
وهي منزلة شريفة لطيفة وهي عنوان على الحال وداعية لمحبة الخلق وقد غلط صاحب المنازل حيث صدرها بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155] وكأنه فهم من هذا الخطاب: انبساطا بين موسى وبين الله تعالى حمله على أن قال: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} وسمعت بعض الصوفية يقول لآخر وهما في الطواف لما قال: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} تدارك هذا الانبساط بالتذلل بقوله: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] أو نحو من هذا الكلام وكل هذا وهم وفهم خلاف المقصود فالفتنة ههنا: هي الامتحان والاختبار كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] وقوله: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16 - 17] وقوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] والمعنى: أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك وامتحان تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء فأى تعلق لهذا بالانبساط وهل هذا إلا توحيد وشهود