البشر؟ ولماذا كانت له تلك القدرة العجيبة، والسلطان السريع، والتأثير المدهش
في أمم الأرض قاطبةً من قبل ومن بعد إلى قيام الساعة؟ وكيف نعلل ذلك تعليلاً
معقولاً صحيحًا بغير الاعتقاد بصدقه.
أليس عمله في قلب الأمة العربية وبعثها من الموت إلى الحياة بسرعة مَن
يقول للشيء: كن، فيكون أبلغ مِن قلب موسى العصا حيةً، ومن إحياء عيسى
ثلاثةَ أموات؟؟ وأيهما أدل وأليق بالنبوة؟ انظر إلى رجلين ادَّعَيَا عِلْمَ الطِّبِّ،
فأثبت أولهما علمه به بتأليفه فيه وبحسن علاجه ونجاحه وشفائه للمرضى في أقرب
وقت، وأثبت الثاني دعواه علم الطب بألعوبة كألاعيب المشعوذين بأن رمى بحبل
إلى السماء، ثم تعلق به وصعد عليه؛ فأيهما أتى بما يناسب دعواه، وما العلاقة
بين الطب وبين تلك الألاعيب؟ نعم، قد يندهش البسطاء ويصدقون الثاني الذي
أدهشهم وحيرهم بألاعيبه وعجائبه، ولكن لا يكون تصديقهم هذا مبنيًّا على برهان
عقلي منطقي صحيح.
كذلك الفرق بين محمد والأنبياء قبله، فمحمد أثبت دعواه بما يناسب مدعاه
والأنبياء الآخرون أتوا بما لا علاقة له بمدعاهم، ولكنه يدهش الناس ويحيرهم حتى
يذعنوا لهم ويهابوهم فيخضعوا {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} (الإسراء: 59) .
هذا؛ ولما كانت الأمم القديمة كالأطفال جاءهم الأنبياء بما يناسب عقولهم
ودرجة سذاجتهم، ولكن كان الجنس البشري قد بلغ رشده في عصر النبوة المحمدية،
ثم ارتقى بعده واستوى؛ فلذا جاءه بما يليق بعقول راقية، وينطبق على البرهان
المنطقي الصحيح؛ ولذلك تجد الناس الآن ينفرون من ذكر المعجزات الغابرة، وقل
في علمائهم من يود سماع أقاصيصها. ولا ينكر الترقي التدريجي للبشر إلا المكابر
المعاند، ويغنينا عن إثبات ذلك أنه صار الآن عقيدة من عقائد جميع العلوم الحديثة،
نعم كان لتلك الأمم درجات من المدنية، ولكنها دون مدنية العرب ومدنية الإفرنج
بمراحل.
خذ مقياسًا لعقول أمة موسى، كيف كانوا بين حين وآخر يرتدون ويعبدون
الأصنام، ولعقول أمة عيسى كيف حولوا دينه الصحيح - دين التوحيد والتنزيه -
من قديم الزمان إلى وثنية لا تختلف عن وثنيات الأمم المجاورة لهم في شيء تلك