الْمُعَامَلَةُ هِيَ الَّتِي جَرَّأَتِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى أَذَاهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا السِّيَاقِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِيهِ:"هُوَ أُذُنٌ" (61) وَكَذَلِكَ كُفَّارُ الْيَهُودِ ، كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَاهَدَهُمْ وَوَفَّى لَهُمْ ، وَكَانُوا يُؤْذُونَهُ حَتَّى بِتَحْرِيفِ السَّلَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ ، وَهُوَ الْمَوْتُ ، فَيَقُولُ:"وَعَلَيْكُمْ"ثُمَّ تَكَرَّرَ نَقْضُهُمْ لِعَهْدِهِ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ (ص46 وَمَا بَعْدَهَا ج 10 ط الْهَيْئَةِ) فَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْغِلْظَةِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ فِي جِهَادِهِ التَّأْدِيبِيِّ لَهُمْ - وَمِثْلُهَا بِنَصِّهَا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ - وَهُوَ جِهَادٌ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ ; لِأَنَّهُ مَوْقِفٌ وَسَطٌ بَيْنِ رَحْمَتِهِ وَلِينِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ ، وَشِدَّتِهِ فِي قِتَالِهِ لِلْأَعْدَاءِ الْحَرْبِيَّيْنِ ، يَجِبُ فِيهِ إِقَامَةُ الْعَدْلِ ، وَاجْتِنَابُ الظُّلْمِ ، وَمِنْ كَلَامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِيهِ: أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ ، وَهَذِهِ الْغِلْظَةُ الْإِرَادِيَّةُ (أَيْ غَيْرُ الطَّبِيعِيَّةِ) تَرْبِيَةٌ لِلْمُنَافِقِينَ وَعُقُوبَةٌ ، يُرْجَى أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِهِدَايَةِ مَنْ لَمْ يَطَبَعِ الْكُفْرُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَتُحِيطْ بِهِ خَطَايَا نِفَاقِهِ ، فَإِنَّ اكْفِهْرَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وُجُوهِهِمْ تَحْقِيرٌ لَهُمْ يَتْبَعُهُ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَبِهِ وَبِمَا سَيَأْتِي يَفْقِدُونَ جَمِيعَ مَنَافِعَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ الْأَدَبِيَّةِ ، وَمَظَاهِرَ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَعَطْفِهِ ، فَمَنْ رَأَى