فهرس الكتاب
ولقد قال الطبري في صدد هذه الآية إن الله أمر المسلمين بقتال من وليهم من الكفار دون من بعد منهم. وكان الذين يلون المخاطبين في الآية يومئذ الروم لأنهم كانوا سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق. أما بعد الفتوح فالمسلمون مأمورون أن يقاتل أهل كل ناحية من وليهم من الأعداء دون الأبعد ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام فإن اضطروا لزم عونهم ونصرهم.
ولهذا تأول كل من تأول هذه الآية أن معناها إيجاب الفرض على أهل كلّ ناحية قتال من وليهم من الأعداء. وروى بعد هذا عن ابن عمر أنه أجاب على سؤال عن قتال الديلم فقال عليك بالروم. وروي عن الحسن أنه أجاب على سؤال عن قتال الروم والديلم فقال الديلم. وروى عن ابن زيد في تأويل الآية قوله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل كفار العرب حتى فرغ منهم فلما فرغ أمر بقتال أهل الكتاب» . وقال الخازن عزوا إلى
بعض العلماء- بدون تسمية- إن الآية نزلت قبل نزول وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً فلما نزلت هذه صارت ناسخة للآية قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ومضى الخازن قائلا: «إنّ المحققين من العلماء لا يرون وجها للنسخ لأن الله لما أمر المسلمين بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصوب والأصلح وهو أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد.
وبهذا يحصل الغرض من قتال المشركين كافّة. لأن قتالهم دفعة واحدة لا يتصور.
ولذلك قاتل رسول الله أولا قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال أهل الكتاب الأقربين قريظة والنضير وخيبر وفدك. ثم انتقل إلى غزو الروم في الشام، ثم كان فتح الشام في زمن الصحابة. ثم انتقلوا إلى العراق، ثم إلى سائر الأمصار».
وليس في كتب التفسير الأخرى التي بين أيدينا زيادة هامة يحسن نقلها.