ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن الهداية ، أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله: {صَرَفَ الله قُلُوبَهُم} فقال: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} ما يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم.
ثم ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهوّن عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة ، فقال: {لَقَدْ جَاءكُمْ} يا معشر العرب {رَّسُولٍ} أرسله الله إليكم ، له شأن عظيم {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم في كونه عربياً وإلى كون هذه الآية خطاباً للعرب ذهب جمهور المفسرين.
وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم.
والمعنى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ} جنسكم في البشرية {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} "ما"مصدرية.
والمعنى: شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم ، ومبعوثاً لهدايتكم ، والعنت: التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه ، أو بعذاب الآخرة بالنار ، أو بمجموعهما {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: شحيح عليكم بأن تدخلوا النار ، أو حريص على إيمانكم.
والأوّل: أولى ، وبه قال الفراء.
والرؤوف الرحيم ، قد تقدّم بيان معناهما: أي هذا الرسول {بالمؤمنين} منكم أيها العرب أو الناس {رَءوفٌ رَّحِيمٌ} ثم قال مخاطباً لرسوله ومسلياً له ، ومرشداً له ، إلى ما يقوله عند أن يُعصى {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه {فَقُلْ} يا محمد {حَسْبِىَ الله} أي: كافيّ الله سبحانه المنفرد بالألوهية {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: فوّضت جميع أموري {وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم} وصفه بالعظم ، لأنه أعظم المخلوقات.
وقد قرأ الجمهور بالجرّ على أنه صفة لعرش.
وقرأ ابن محيصن بالرفع صفة لرب.
وقد رويت هذه القراءة عن ابن كثير.