وتبقى حياتهم وتستمر يُمَحِّصهم الله تعالى، ينقيهم، يوقظهم، يجعلهم رجالاً أطفالاً صغار يشبون على رجولة عظيمة، يفهم قضيته، عرف عدوه، تميز أمامه الصديق من العدو، حتى لا يضع يده في يد عدو يلبس له ثوباً أبيض، أو يظهر له بمظهر مزيف، عرف عدوة من صديقه، عرف أخاه من ابن عمه، عرف هذا من ذاك، فهذه نعمة ينعم الله بها على من بقيت حياتهم، كذلك يظهر إخواني، من الذي يؤانسني في وحشتي؟ من الذي يقف بجانبي؟ ومن الذي يتخلى عني؟ فيعرف الإنسان المسلم الصادق الذي يناصره ولو من بعيد، ويعرف المسلم المتخاذل وربما المنافق الذي يتخلى عني ولو من قريب، كل هذه حقائق يوضحها الله تبارك وتعالى، يمحِّص المؤمنين ويمحق الكافرين، ويزداد الذين كفروا إثماً وذنباً يستحقون به عقوبةً شديدةً من الله، يريد الله أن يشدد عذابهم، يريد الله أن يشدد عقابهم، فبماذا يعذبهم؟ لابد أن ييسر لهم العسرى التي يريدونها فيرتكبون آثاماً كثيرة فيستحقون العذاب الأليم الشديد.
فاصبروا، اصبروا ولكن عليكم بالدعاء، لا تتباطئوا فيه، ولا تقعدوا عنه، ولا تنسوه، لا تقيدوه بالصلوات فقط، ندعو بعد الركوع الأخير في كل صلاة فريضة، بل اجعلوه في كل أوقاتكم، لا تنسوا هذا الأمر فإنه يغطي على طعامنا وشرابنا وشهواتنا، إنه حاضرٌ دائماً في حسنا وذهننا، فكل ما ذكرناه دعونا لإخواننا دعوةً من القلب، دعوة بحس، دعوةً بشعور، واعرفوا نعمة ربكم عليكم حيث تعيشون في بلد آمن وفي جو آمن، غيركم فزع والله من عليكم بالأمن، فتوبوا إلى الله عودة إلى الله، أكثروا من ذكر الله وعبادة الله شكراً له على نعمة الأمن فهي نعمة عظيمة لا يعطيها إلا الله، ولا يسلبها إلا الله سبحانه وتعالى، المؤمن آمنٌ بالله خائفٌ بغير الله، حين نتخلى عن الله فكل شيء يخيفنا، حين نخاف من الله وحده يؤمننا الله تعالى من كل شيء، وقد جاء هذا في معنى بعض الأحاديث القدسية.