فهرس الكتاب
يوقنون من يرجى التبليغ منه إليهم عن الله - عز وجل - على البراءة بالبرهان كما فعل بطلعته
الكريمة في حق النسوة حين برأنه ونزهنه عن فاحشة (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا
إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) . كذلك من عود نفسه المجاهدة وجوارحه
الكف عن المناهي، فإن الله يقيض له العصمة من حيث يدري ولا يدري.
ثم ألهم الفتيين ليقصا رؤياهما عليه، وبشره على ألسنتهما في قولهما: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36) . وقول الذي نجا منهما: (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الرؤْيا عاجل [بشرى] المؤمن".
وما انقضى على ألسنة اللاهين أو غيرهم في دار الدنيا فهو كالرؤيا في جانب
تأويل حقيقة الآخرة، ولعل يوسف فقه عن ربه - عز وجل - وذلك هو المعهود منه في زلته
حين قال للذي نجا من الفتيين: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) فلذلك لما جاءه
الرسول من عند الملك يأمره بالخروج من السجن أرجأ الأمر حتى يستبرئ لله
ولنفسه، وقد رآه كيف أطل عليه يستبرئه، وجعل العلامة المحكوم بها على ما يبرئه
بها.
ثم ذكر التبوء الكبير مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وقد تقدم (وَجَاءَ
إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) . لم يعرفهم نفسه،
ولا أرسل إلى أبيه يعلمه بشأنه؛ لشبه هذه الغربة المكتوبة عليه بغربة أولياء الله عن
ربهم وعن دار قرارهم، فالمطلوب في هذه الغربة: الإيمان والعمل عليه بظهر
الغيب.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ...)
نظم بهذا المعنى قوله عز من قائل: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ...) .
ثم قوله - عليه السَّلام -: (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) نبههم فأنامَتْهُم
الغفلة قد كان لهم في طلبه أخاه من أبيهم بحيث لو شعروا وفي جعله
بضاعتهم في رحالهم يقول - عليه السَّلام - للتنبيه: (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ