ويختلف الحال لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب ؛ حيث تستطيب النفس مذاقَ تلك الفواكه ؛ فنجد مَنْ يشربها يتمهَّل ليستبقى أثرها في فمه .
ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ ...} [الصافات: 47]
أي: أنه سبحانه ينفي عن خَمْر أنهار الجنة كُلَّ المُكدِّرات التي توجد في خمر الدنيا .
إذن: فساعةَ تسمع مثلاً عن الجنة ؛ فاعلم أنه مَثَلٌ تقريبيّ ؛ لأنه لا يمكن أن تأتي الحقيقة ، حيث لا يوجد لفظ يُعبِّر عنها ؛ وهي لم توجد عندنا ؛ وسبحانه لا يخاطبنا إلا بما نعلم من اللغة ؛ لذلك يأتي لنا بالمثَلِ المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، يقول الحق سبحانه: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ...} [الرعد: 35]
ونعلم أن عَصَب حياة العرب أيام نزول القرآن كان هو الماء ؛ ألم يطلبوا من الرسول أن يُفجِّر لهم الأنهار تفجيراً؟
نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة بصورتين مختلفتين:
أولهما: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ...} [الرعد: 35]
مثلما قال في الآية التي نحن بصَددِ خواطرنا عنها .
ومرَّة يقول سبحانه: {تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار ...} [التوبة: 100]
والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص ، بمعنى أن: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ...} [الرعد: 35]
تُوضِّح أن منابع تلك الأنهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة ؛ فلا يَقِلّ الماء في تلك الأنهار أبداً .
ويُقال: إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الأرض لها شواطئ تحتضنها ؛ أما أنهار الآخرة فهي تسير على الأرض دون شواطئ تحجزها .
ونجد أنهار الخمر تسير أيضاً في الأرض ، ولا تتداخل مع أنهار الماء ، وكذلك أنهار اللبن ، وكُلُّ ذلك من صَنْعة رَبٍّ حكيم قادر .