هدًى وبيِّنة من ربِّهم، وأَيِس أن يُرجِعَهم إلى الوثنيةِ وعبادتِه كما كانت قريشٌ ومَن حولها في الجزيرة يعبدونه، فانخنس بعيدًا عن هذه الناحية، وأخذ يحرِّشُ بينهم فيما يفتنُهم الله به ويَبتَلِيهم بما يَفتَحُ عليهم من الدنيا، فيَسْلَمُون من تحريشِه مرَّة؛ لأنهم يردُّون أمرَ ما اختلفوا فيه إلى الله وإلى رسوله، وينالُ منهم أخرى حين يرجِعُون فيما يَختَلِفُون فيه إلى غير الله ورسولِه، وما زال العدوُّ المُبِين يعملُ دائبًا على إطفاءِ نور الكتاب والسنة من قلوبهم شيئًا فشيئًا حتى عادوا اليوم سيرةَ الجاهليةِ الأولى حذوَ النعلِ بالنعلِ، ورَجَعوا يقدِّسون الأحجارَ، والرجومَ، والأمكنةَ، والبقاعَ، والحبرَ، والقِرْطَاس، والقماش، والموتى، تقديسَ العبادةِ، فيَلتَمِسُون منها ما الجاهليون يلتمسون، مما يزعمونه بركاتٍ، ويَعتَقِدُون ما كانوا يَعتَقِدُون، ويصنعون ما كانوا يصنعون، وهم يزعمون - أو على الأصح يزعم لهم شياطينُهم - أنهم بذلك الشركِ وتلك الوثنيةِ القذرة يعظِّمون بيتَ الله المحرَّم، وكتبَه، وأنبياءه، وعبادَه الصالحين.