هكذا كان سنة اللَّه في الأمم الخالية أنهم إذا قتلوا نبيهم: لم يلبثوا بعده إلا قليلًا حتى أهلكوا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على الإخراج نفسه، إلا أن اللَّه أخرجه إخراج هجرة إلى المدينة لما سبق من رحمته وفضله ألا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال؛ فلو كانوا هم أخرجوه - لاستوجبوا به الإهلاك؛ لما كان من سنته في الأولين إهلاكهم إذا أخرجوا رسولهم من بينهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: على حقيقة الإخراج منهم: أخرجوا رسول اللَّه من بينهم، وفعلوا ذلك؛ فلم يلبثوا بعده إلا قليلًا، حتى أهلكهم اللَّه بالقتل يوم بدر وغيره، وهو ما قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) : ففيه دلالة أنهم أخرجوه، وأنهم أهلكوا بذلك، وكذلك كانت سنة اللَّه في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.
وقال أهل التأويل في قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ، أي: ليستنزلونك من أرض المدينة؛ حيث نزل بالمدينة؛ قالت له اليهود: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء والرسل إنما أرض الأنبياء والرسل أرض الشام؛ فإن كنت نبيًّا رسولًا فاخرج إليها فخرج الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - متوجهًا إلى الشام، فعسكر على رأس أميال؛ لينتاب إليه أصحابه؛ فنزل به جبريل بهذه الآية، لكن ذكرنا أن هذا وأمثاله لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن يخرج رسول اللَّه من أرض المدينة إلى أرض الشام بقول أُولَئِكَ اليهود، من غير أن كان من اللَّه إذن له في ذلك، هذا لا يحتمل ولا يتوهم منه ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم.