السابعة: استدلّ بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم:"تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار"على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار.
قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضاً لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار ؛ فإن في الصحيح عن النبيّ الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر"الحديث.
ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك ، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والأيمان ، وهذا واضح.
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) }
فيه ست مسائل: الأولى:
قوله تعالى: {وَمِنَ الليل} "من"للتبعيض.
والفاء في قوله"فتهجّد"ناسقة على مضمر ، أي قم فتهجد.
{بِهِ} أي بالقرآن.
والتَّهَجُّد من الهجود وهو من الأضداد.
يقال: هجد نام ، وهجد سهر ؛ على الضد.
قال الشاعر:
ألا زارَتْ وأهلُ مِنًى هجود ...
وليْت خيالها بمنًى يعود
آخر:
ألاَ طرقتنا والرّفاق هجود ...
فباتت بِعَلاّت النوال تجود
يعني نِياماً.
وهجد وتهجد بمعنًى.
وهجّدته أي أنمته ، وهجدته أي أيقظته.
والتهجّد التيقظ بعد رَقْدة ، فصار اسما للصلاة ؛ لأنه ينتبه لها.
فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم.
قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم.
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كلّه أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقدة.
كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الهجود النوم.
يقال: تهجد الرجل إذا سَهِر ، وألقى الهجود وهو النوم.