هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه ، ثم أوصله لمن؟ أوصله للمصطفى الأمين من البشر: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [التكوير: 22 - 25]
إذن: فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من اللوح المحفوظ ، وهو الحق الثابت الذي لا شَكَّ فيه ، والذي لم يتغيّر منه حرفٌ واحدٌ ، ولن يجد فيه أحد ثُغْرة للاتهام إلى أنْ تقومَ الساعة.
ثم يقول تعالى: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.. { [الإسراء: 105] الأولى كانت: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ.. { [الإسراء: 105]
أي: الوسائل التي نزل بها كلمة ثابتة ، وكلها حَقٌّ لا رَيْبَ فيه ولا شَكَّ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.. { [الإسراء: 105] أي: مضمونه ، وما جاء به منهج ، معجزة حقٌّ لأنه تحدّى الفُصَحاء والبلغاء وأهل اللغة فأعجزهم في كل مراحل التحدي ، والقرآن يحتوي على منهج حق.
وأول شيء في منهج القرآن أنّه تكلّم عن العقائد التي هي الأصْل الأصيل لكل دين ، فقبل أنْ أقول لك: قال الله ، وأَمَر الله لا بُدَّ أن تعرف أولاً مَنْ هو الله ، ومَنْ الرسول الذي بلَّغ عن الله ، فالعقائد هي ينبوع السُّلوكيات.
إذن: تعرّض القرآن للإلهيات ، وأوضح أن الله تعالى إله واحد له صفات الكمال المطلق ، وتعرَّض للملائكة وللنبوات والمعجزات والمعاد واليوم الآخر ، كُلُّ هذا في العقائد ؛ لأن الإسلام حرصَ أولاً على تربية العقيدة ، فكانت الدعوة في مكة تُركّز على هذا الجانب دون غيره من جوانب الدين لِيُربّيَ في المسلمين هذا الأصل الأصيل ، وهو الاستسلام لله ، وإلقاء الزمام إليه سبحانه وتعالى.
والإنسان لا يُلقي زمام حركته إلا لمَنْ يثق به ، فلا بُدَّ إذنْ من معرفة الله تعالى ، ثم الإيمان به تعالى ، ثم التصديق للمبلّغ عن الله.